إنّ الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ
الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله.
أمّا بعد:
لمّا كان التعاقد مع الآخرين وليد الحاجة
إلى المعاملات لكونها ضرورة اجتماعية لا
غنى عنها فقد جعل الشرع الأصل فيها الحلّ
والإباحة فلا يمنع منها إلاّ ما حرّمه
الله ورسوله صلى الله عليه وسلَّم على
حسَب ما تقرّر في علم الأصول فيكون البيع
والإجارة وغيرهما من العادات التي يحتاج
الناس إليها في معاشهم كالأكل والشرب،
واللباس منها...
الحمد لله الذي غرس شجرةَ الإيمان في قلوب
من اختارهم لعبوديته، واختصَّهم بوافرِ
فضلِه وجزيل نعمته، وفضّلهم بمنِّه
ورحمتِه على سائر خليقتِه، فهي
﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ
وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي
أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾،
والصلاة والسلام على نبيّنا محمد بن عبد
الله ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على
وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، أرسله
رحمةً للعالَمين، وقُدوةً للعامِلين،
ومَحَجَّةً للسالكين، وعلى آله وأصحابه
أجمعين، أما بعد...
أمّا بعد
فإنّ المتأمّل لأسرار الشريعة الإسلاميّة ومقاصدها تظهر له حكمة الله في تشريعاته
فيلمس العدل والقسط سواء في التي تتعلّق فيما بينه وبين ربّه أو بينه وبين غيره من
بني البشر أو بينه وبين نفسه .
وهذا ظاهر في قوله تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ
وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾
[الحديد:25].
فالمشتغل في حقل الشريعة الإسلاميّة والمنكبّ على الدراسة والتحليل والبيان
والتعليل في فقه المعاملات يتأكد له أصلان اثنان...
كان من فضل الله عليّ أوّل قدومي المدينة النّبويّة عام 1408هـ أن تعرّفتُ إلى
شيخنا الجليل العلاّمة المحدّث النّبيل أبي عبد الباري حمّاد بن محمّد الأنصاريّ
رحمه الله تعالى، حيث قصدتُّه في مكتبته العامرة بحيّ الفيصليّة مع فضيلة الدّكتور
عاصم بن عبد الله القريوتيّ، فكان لقاء ميموناً، ومجلساً مباركاً، عامراً بالفوائد
المستَمْلَحة.
إنّ شيخنا الأنصاريّ شخصيّةٌ علميّةٌ
فذّةٌ، قدم إلى الحجاز من بلده "تاد
مكّة"، من بلاد مالي، متضلِّعاً من علوم
الآلة، خاصّة علم الحديث والعقيدة، حيث
صار عَلَماً فيهما، ومرجعاً هامّاً لذوي
الاختصاص، ولا غرابة حينئذ أن تسمع منه
شوارد من عدّة فنون؛ من نحو، ولغة، وفقه،
وأصول، وحديث، وعقيدة، وغير ذلك.
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا
من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا
شريك له وأنّ محمدًا عبده ورسوله.
أمّا بعد فقد اعتنى فقهاؤنا رحمهم الله
بمسائل الفقه عناية منقطعة النظير فشرحوا
معانيها وهذّبوا موضوعاتها، وفصّلوا
مبهمها واختصروا مطولها لينالها العبد
سهلة دانية كما أرادها الشرع الإسلاميّ
الحنيف
﴿الَّذِي لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِن
بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ
تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾
[فصلت:42].
لأجل هذا عكف الفقهاء على بيان وتوضيح
المسائل الفقهية بقسميها العبادات
والمعاملات ليأتي العبد بالمطلوب وينزجر
عن الممنوع لينال رضى ربه عزّ وجلّ بعد ما
يتصوّرها ويعقل معناها، ومن بين هذه
المسائل في قسم العبادات مسألة ترتيب
فرائض الوضوء على نسق الآية، بحيث من نكس
أعضاء وضوءه هل يصحّ وضوؤه وبالتالي تصحّ
صلاته أم ليس الأمر كذلك ؟...
هو العلامة المحدث، واللغوي الشهير، والأديب البارع، والشاعر الفحل، والرحالة
المغربي، الرائد الشيخ السلفي الدكتور: محمد التقي المعروف بـ محمد تقي الدين،
كنيته أبو شكيب (حيث سمى أول ولد له على اسم صديقه الأمير شكيب أرسلان) بن عبد
القادر بن الطيب بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن عبد النور بن عبد القادر بن هلال
بن محمد بن هلال بن إدريس بن غالب بن محمد المكي بن إسماعيل بن أحمد بن محمد بن أبي
القاسم بن علي بن عبد القوي بن عبد الرحمن بن إدريس بن إسماعيل بن سليمان بن موسى
الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي وفاطمة
بنت النبي محمد صلى الله عليه وسلم...
تزخر المكتبة الحديثيّة بعدد هائل من
الأجزاء التي حرص العلماء عامّة
والمحدّثون خاصّة على سماعها عن الشّيوخ
المسندين أصحاب الأسانيد العالية إلى
مؤلّفي تلك الأجزاء أو رواتها عنهم،
والنّاظر في كتب التّراجم والمشيخات
والأثبات والبرامج يعجب جدّا من هذا العدد
الهائل من أجزاء المحدّثين المتداولة في
مجالس السّماع، ويكفي الباحث مثلاً أن
ينظر في مجاميع المكتبة الظّاهريّة ليرى
نموذجاً ممّا وصلنا من تلك الأجزاء، وإذا
قارن ذلك بثبت الضّياء المقدسي وفهرس ابن
المبرد وغيرهما يدرك بجلاء أنّ المفقود
أعظم بكثير من هذا المحفوظ في خزانة
الظّاهريّة وغيرها من المكتبات...