أنت هنا:لغة وآداب»مسـألـة في ضوابط الأخذ بالمباحات لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحرَّاني (661هـ ـ 728هـ)

مسـألـة في ضوابط الأخذ بالمباحات لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحرَّاني (661هـ ـ 728هـ)

  • عمار تمالت
تم قراءة المقال 454 مرة

 

اختلفت نظرةُ النَّاس اليومَ إلى المباحات الَّتي أنعم الله بها على خلقه، فمنهم من أغرق نفسه في التَّلذُّذ بها من غير رجوعٍ إلى الضَّوابط الشَّرعيّة في التَّعامل معها، ومنهم من قتَّر على نفسه ظانًّا أنَّ ذلك من الزُّهد في الدُّنيا وملذَّاتها، وجاء فريقٌ ثالث فنظر إلى هذه المباحات نظرةً شرعيَّةً، فتوسَّط في الأخذ بها من غير إسرافٍ ولا تقتير، وذلك أنَّ شريعة الإسلام دعتْ إلى التَّوسُّط في كلِّ شيءٍ؛ بل إنَّ مبدأ التَّوسُّط هو الَّذي ميَّز شريعتَنا عن بقيَّة الشَّرائع السَّماويَّة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا[البقرة:143].

ومن هنا كانت نظرةُ الإسلام في الأخذ بالمباحات والمَلَذَّات الَّتي أنعم الله بها على عباده نظرةً تتَّصفُ بالتَّوسُّط بين الإغراق فيها دون تمحيص، وبين الزُّهد فيها دون تعقُّلٍ وتمييز، فأباح الإسلامُ التَّمتُّع بالطَّيِّبات الَّتي أخرج الله لعباده بشرطين: عدم الإسراف فيها، وأداء شكر المُنْعِم بها بفعلِ ما أوجب وتركِ ما حرَّم، كما أنكر في الوقت نفسه على من حرَّم على نفسه أو غيره الأخذَ بهذه المباحات ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ[الأعراف:32].

ولمَّا كانت هذه المسألة محلَّ نظرٍ وتأمُّل، وحصل فيها الإشكال، ووقع الخلافُ بين فئات النَّاس، كتبَ فيها العلماء، ودرسها الفقهاء، فجمعوا أدلَّتَها، ونظروا في مقاصدها.

ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية الحرَّاني رحمه الله (ت 728هـ)؛ فإنَّ له فيها كلامًا جامعًا، مبنيًّا على الأدلَّة الشَّرعيَّة من الكتاب والسُّنَّة، متَّصفًا بالتَّحقيق والتَّحليل والتَّوضيح.

وكتب شيخُ الإسلام في هذه المسألة ضمن فتوى له، نُشرت في «مجموع فتاويه» (22/ 133 ـ 139).

وقد عثرتُ لها ـ بفضل الله تعالى ـ على نسخةٍ خطِّيَّةٍ، ضمنَ مجموع بالمكتبة السُّليمانيَّة بتركيا برقم (159)، فقابلتُ بين المخطوط والمنشور، ورأيتُ بينهما بعضَ الفروق، فنبَّهتُ على بعضها، وأصلحتُ الأخطاءَ الواقعةَ فيهما، وكمَّلتُ النَّواقص، لأجل إخراجِ نصٍّ متكاملٍ قريبٍ ممَّا كتبه المؤلِّف.

* وهذا نصُّ الفتوى:

في رجلٍ ترك دخولَ الحمام والترفُّهَ والتنزُّهَ عن الأقمشة الثمينة(1)، مثل: الحرير والكتّان [المُتَغالَى](2) في تحسينه، وما ناسبهما، في تركه حرامٌ أم لا(3)؟

الحمد لله، أمَّا ما حرَّمه الله ورسوله كالحرير، فإنَّه يُثاب على تركه، كما يُعاقب على استعماله(4).

وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ»(5).

وقال عن الذَّهب والحرير: «هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لإِنَاثِهَا»(6).

وأمَّا المباحات، فيُثاب على ترك فضولها، وهو ما لا يحتاج إليه لمصلحة دينه، كما أنَّ الإسرافَ في المباحات مَنْهِيٌّ عنه.

كما قال تعالى: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين[الأعراف:31].

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا[الفرقان:67].

وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِين[هود:116].

وقال تعالى إِخْبارًا عن الكفَّار: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ[الأحقاف:20], الآية.

وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا[الإسراء:29].

وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا[الإسراء:26-27].

والإسرافُ في المباحات هو بمجاوزة الحدِّ، وهو من العُدوان المُحَرَّم، وتركُ فُضولها هو من الزُّهد المباح.

وأمَّا الامتناعُ من فعل المباحات مطلقًا، كالَّذي يمتنعُ من أكل اللَّحم، وأكل الخبز، أو شُرب الماء، أو من لُبس الكتَّان والقطن، ولا يلبس إلاَّ الصُّوفَ، ويمتنع من نكاح النِّساء، ويظنُّ أنَّ هذا من الزُّهد المستحبِّ، فهذا جاهل ضالٌّ من جنس زُهَّاد النَّصارى.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين * وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ الله الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُون[المائدة:87-88].

نزلت هذه الآية بسببٍ؛ في جماعةٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا قد عزموا على تركِ أكل الطَّيِّبات كاللَّحم ونحوه من المآكل وتركِ النِّكاح.

وفي «الصَّحيحين»(7): عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ ـ وفي رواية: مَا بَالُ رِجَالٍ ـ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ فَلاَ أُفْطِرُ، وَيَقُولُ الآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ فَلاَ أَنَامُ، وَيَقُولُ الآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلاَ أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَيَقُولُ الآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلاَ آكُلُ اللَّحْمَ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُومُ وَأنَامُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».

وفي «صحيح البخاري»(8): لمَّا رأى أبا إسرائيل قائمًا في الشَّمس(9)، وقالوا: إِنَّه نذر أن يقوم ولا يستظلَّ، ولا يتكلّم، ويصوم، فقال: «مُرُوهُ أَنْ يَسْتَظِلَّ، وَيَتَكَلَّمَ، وَيَجْلِسَ، وَيُتِمَّ صَوْمَهُ».

وقد قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا[المؤمنون:51]، وقال تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون[البقرة:172].

فأمر بالأكل من الطَّيِّبات، والشُّكرِ له.

والطَّيِّبُ: ما ينفعُ الإنسانَ، ويعينُه على الطَّاعة(10).

وحرَّم الخبائثَ، وهو: ما تضرُّه في دينه(11).

وأمر بشكره، وهو: العملُ بطاعته، بفعل المأمور به، وترك المحظور(12).

وفي «صحيح مسلم»(13): «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَلَى العَبْدِ إِذَا أَكَلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا».

فمن أكل من الطَّيِّبات، ولم يشكر ربَّه، ولم يعمل صالحًا، كان معاقَبًا على ما فعله مِنْ تركِ الواجبات(14)، ولم تحلَّ له الطَّيِّبات؛ فإنَّ الله إنَّما أحلَّها لمن يستعينُ بها على طاعته، ولم يجعلْها لمن يستعينُ بها على معصيته.

كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِين[المائدة:93].

وقال إبراهيم الخليل: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ (15مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير[البقرة:126].

ولهذا لا يجوز أن يُعانَ الإنسانُ بالمباحات على المعاصي، مثل مَن يُعطي الخبزَ واللَّحمَ لمن يشربُ عليه الخمرَ ويستعينُ به على الفواحش.

ومن حرَّم الطَّيِّباتِ الَّتي أحلَّ الله، من الطَّعام واللِّباس والنِّكاح وغير ذلك، واعتقد أنَّ تَرْكَ ذلك مطلقًا أفضلُ من فعله لمن يستعين به على طاعة الله، كان متعدِّيًا، مُعاقَبًا على تحريمِ ما أحلَّ اللهُ سبحانه وتعالى، قد عصى الله ورسولَه(16)، وعلى تعبُّده لله تعالى بالرَّهبانيَّة، ورغبتِه عن [سنَّة](17) رسول الله ﷺ، وعلى ما يُفرِّطُ فيه من الواجبات، فإنَّ من الواجبات ما لا يتمُّ إلاَّ بهذه المباحات(18)، وما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب.

وكذلك من أسرف في بعض العبادات، كسَرْد الصَّوم، ومُداومة قيام اللَّيل كلِّه حتَّى يضعفَه ذلك عن بعض الواجبات كان مستحقًّا العقاب.

كما قال النَّبيُّ ﷺ لعبدالله بن عمرو: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَآتِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»(19).

فأصلُ الدِّين: فعلُ الواجبات، وتركُ المحرَّمات.

فما تقرَّب العبد إلى الله عز وجل بأفضل من أداء ما افتَرَض عليه، ولا يزال العبد يتقرَّب إلى الله بالنَّوافل حتَّى يحبَّه.

فالنَّوافلُ المستحبَّة الَّتي لا تمنعُ الواجباتِ هي ممَّا تُرفَع به الدَّرجات.

وتركُ فضول المباح، وهو ما لا يحتاج إليها لفعل واجب ولا مستحبٍّ، مع الإيثار بها، ممَّا يثيب الله فاعلَه عليه، ومن تركها لمجرَّد البخل لا للتَّقرُّب بها إلى الله تعالى بالزُّهد، فهنا لم يكن محمودًا.

ومن امتنع من نوعٍ من الأنواع الَّتي أباحها الله على وجه التَّقرُّب بتركها، فهو مُخطىءٌ ضالٌّ.

ومن تناول ما أباحه الله من الطَّعام واللِّباس، مُظهرًا لنعم الله عليه، مستعينًا به على طاعة الله، كان مُثابًا على ذلك.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم[التكاثر:8]، [أي: عن شكر النَّعيم](20)، فيُطالَبُ العبدُ بأداء شكر الله على هذه النِّعم(21)، فإنَّ الله لا يعاقبُ على ما أباح، وإنَّما يعاقبُ على ترك مأمور وفعل محظور(22).

وهذه القواعد الجامعة تبيِّن المسائلَ المذكورةَ وغيرَها.

فمن ترك دخولَ الحمَّام لعدم حاجته إليه فقد أحسن.

ومن دخلها مع كشف عورته والنَّظر إلى عورات النَّاس، أو ظَلَم الحمَّاميَّ(23)، فهو عاصٍ مذموم.

ومن تنعَّم بها لغير حاجةٍ فهو منقوصٌ مَرْجوح.

ومن تركها مع الحاجة إليها، حتَّى يَكثر وسخُه وقُمَّلُه، فهو جاهلٌ مذموم(24).

وأمَّا الحرير، فهو حرام على الرِّجال؛ إلاَّ في مواضع مُستثناة(25)، فمن لبس ما حرَّمه الله ورسولُه فهم آثم.

وأما الكتَّان والقطن ونحوهما، فمن تركه مع الحاجة إليه فهو جاهلٌ ضالٌّ، ومن أسرف منه(26) فهو مذموم، ومن تجمَّل بلبسه إظهارًا لنعمة الله [عليه، فهو مشكورٌ على ذلك, فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ](27) إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ»(28)، وقال: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ»(29).

ومن ترك لبسَ الرَّفيع من الثِّياب زهدًا في الدُّنيا(30) وتواضعًا لله عز وجل، لا بُخْلاً، ولا التزامًا للتَّرك مطلقًا، فإنَّ الله يُثيبُه على ذلك، ويكسوه من حُلَل الكرامة.

وتُكره الشُّهرةُ من الثِّياب القصير الخارج عن العادة والطَّويل(31)، فإنَّ السَّلف كانوا يكرهون المرتفع والمنخفض(32)، وفي الحديث: «مَنْ لَبسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ الله ثَوْبَ مَذَلّةٍ»(33)، وخيار الأمور أوسطُها.

والفعلُ الواحدُ في الظَّاهر يُثابُ الإنسان على فعله مع النِّيَّة الصَّالحة، ويُعاقَبُ على فعله مع النِّيَّة الفاسدة.

فمن حجَّ ماشيًا لقوَّته على المشي وآثَرَ بالنَّفقة كان مأجورًا أجرين: [أجر المشي وأجر الإيثار، ومن حجَّ ماشيًا بُخْلاً بالمال إضرارًا بنفسه كان آثمًا إثمين: إثم البُخْل وإثم الإضرار](34).

ومن حجَّ راكبًا [لضَعْفه عن المشي وللاستعانة بذلك على راحته ليتقوَّى بذلك على العبادة كان مأجورًا أجرين، ومن حجَّ راكبًا](35) وهو يَظلمُ الجِمالَ والحَمَّالَ كان آثمًا إثمين.

وكذلك اللِّباس، فمن ترك جميلَ الثِّياب بُخلاً بالمال لم يكن مأجورًا، ومن تركه متعدِّيًا(36) بتحريم المباحات كان آثمًا.

ومن لبس جميلَ الثِّياب إظهارًا لنعم الله عليه واستعانةً على طاعة الله كان مأجورًا، ومن لبسه فَخرًا وخُيَلاءَ كان آثمًا، فإنَّ الله لا يحبُّ كلَّ مختالٍ فخور.

ولهذا حرَّم الله إطالةَ الثَّوب بهذه النِّيَّة، كما في «الصَّحيحين» عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» ـ بهذه النِّيَّة ـ(37)، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله! إنَّ أحد شِقَّيْ إزاري(38) يسترخي إلاَّ أنِّي أتعاهد ذلك منه، فقال: «يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلاَءَ»(39).

وفي «الصَّحيحين»(40) عن النَّبيِّ ﷺ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ خُيَلاَءَ إِذْ خَسَفَ الله بهِ الأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».

فهذه المسائل ونحوها: تتنوَّعُ بتنوُّع (نيَّات النَّاس ومقاصدهم، وتتنوَّعُ أيضًا بتنوُّع أحوالهم وحاجاتهم، وتتنوُّعُ بتنوُّع)(41) علمهم واعتقادهم.

والعبدُ مأمور أن يقول في صلاته: ﴿اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين[الفاتحة:6-7].



(1) في «مجموع الفتاوى»: وسئل عن المتنزِّه عن الأقمشة الثَّمينة.

(2) زيادة من «المجموع».

(3) في «المجموع»: هل في ترك ذلك أجرٌ أم لا؟ أفتونا مأجورين.

(4) في «المجموع»: على فعله.

(5) أخرجه البخاري (5832) ومسلم (2073)، من حديث أنس رضي الله عنه, وله عندهما شواهد.

(6) أخرجه أبو داود (4057) والنَّسائي (5144) وأحمد (750)، من حديث عليٍّ رضي الله عنه وله شواهد.

(7) البخاري (5063) ومسلم (1401)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(8) «صحيح البخاري» (6704)، من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

(9) جملة الحديث هنا جاءت مختصرة، وفي «مجموع الفتاوى»: «وفي صحيح البخاري أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى رجلاً قائمًا في الشَّمس فقال: «مَا هَذَا؟»، قالوا: هذا أبو إسرائيل»، الحديث.

(10) جملة «ويعينه على الطَّاعة» ليست في «مجموع الفتاوى».

(11) جملة «في دينه» ليست في «المجموع».

(12) في «المجموع»: المحذور.

(13) برقم (2734)، من حديث أنس رضي الله عنه .

(14) في «المجموع»: على ما تركه من الواجبات، وفي الأصل: «على ما فعله من فعل الواجبات»، والمُثبَت هو الأنسب الأصوب.

(15) في الأصل: «ربنا وارزق أهله...»، وهو خطأ في نقل الآية.

(16) جملة «قد عصى الله ورسوله» ليست في «المجموع».

(17) زيادة من «المجموع».

(18) جملة «فإنَّ من الواجبات ما لا يتمُّ إلاَّ بهذه المباحات» ليست في «المجموع».

(19) المتن المذكور هنا خاطب به سلمان أبا الدَّرداء رضي الله عنهما فقال النَّبيُّ ﷺ: «صَدَقَ سَلْمَانُ» كما أخرجه البخاري (1968), أما حديث مخاطبته ﷺ لعبدالله بن عمرو رضي الله عنه فهو عند مسلم (1159) بلفظ قريب.

(20) زيادة من «المجموع».

(21) في «المجموع»: بأداء شكر نعمة الله على النَّعيم.

(22) في «المجموع»: محذور.

(23) الحمَّامي: «صاحبُ الحمَّام» «المُغرِب» (1/ 227).

(24) من قوله «فمن ترك دخول الحمَّام» إلى هنا ليس في «المجموع»، وقد وردت هذه العبارة في جواب سؤال مستقلٍّ في «المجموع» (21/ 341).

(25) منها: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نهى نبي الله ﷺ عن لبس الحرير إلاَّ موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع» أخرجه مسلم (2069).

(26) في «المجموع»: أسرف فيه.

(27) زيادة من «المجموع».

(28) أخرجه أحمد (6708) والتِّرمذي (2819)، من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما.

(29) أخرجه مسلم (91)، من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه .

(30) جملة «زهدًا في الدُّنيا» ليست في «المجموع».

(31) في المجموع: وتكره الشُّهرة من الثِّياب وهو المترفَّع الخارج عن العادة والمتخفَّض الخارج عن العادة.

(32) في «المجموع»: المترفَّع والمتخفَّض.

(33) أخرجه أحمد (5664) وأبو داود (4029)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(34) زيادة من «المجموع».

(35) زيادة من «المجموع».

(36) في «المجموع»: متعبِّدًا.

(37) الجملة المعترضة ليست في «المجموع».

(38) في «المجموع»: إنَّ طرف إزاري.

(39) أخرجه البخاري (3665)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(40) البخاري (3485) ومسلم (2088)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(41) ما بين القوسين ليس في «المجموع».

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 24»