أنت هنا:أخبار الكتب والتراث»قصيدة في ذم الدنيا ومدح السنة وأهلها وذم البدعة وأربابها وشرحها للرسعني

قصيدة في ذم الدنيا ومدح السنة وأهلها وذم البدعة وأربابها وشرحها للرسعني

  • عمار تمالت
تم قراءة المقال 418 مرة

 

للإمام المفسِّر الفقيه: عزّ الدِّين أبي محمَّد عبدالرَّازق بن رِزْق الله الرَّسْعَني
المتوفَّى سنة (
661هـ)

مُنشِئُ هذه القصيدة(1) هو: الإمام العالم المحدِّث الفقيه المفسِّر الأديب الشَّاعر، عزُّ الدِّين أبو محمَّد عبد الرَّازق(2) بن رِزْق الله بن أبي بكر بن خلف بن أبي الهَيْجاء الرَّسْعَني.

وُلد في بلدةِ رأس عين ـ وإليها يُنسَب ـ الواقعةِ شمالي حلب الشّهباء سنة (589هـ).

وسمع الحديث في بداية طلبه بدمشق وحلب، ورحلَ إلى بغداد؛ فسمع من بعض علمائها ومحدِّثيها، وسمع ببلدانٍ أُخَر.

وعُني بالفقه الحنبلي ودراسة المصنَّفاتِ فيه؛ خاصةً «المقنع» لابن قدامة، وقرأ علومَ العربيَّة والأدب وبرعَ فيها.

وولي مشيخةَ دار الحديث بالموصل.

وكان متمسِّكًا بالسُّنَّة والآثار، ويصدعُ بالسُّنَّة عند المخالفين من الرَّافضة وغيرهم.

وكتب عدَّة مصنَّفاتٍ تشهدُ له بالعلم والفقه، اشتهر منها تفسيرُه الكبير «رموز الكنوز»(3) الَّذي نهج فيه منهجَ الأثر مع مناقشة بعض المفسِّرين كالزَّمخشري في بعض المسائل النَّحويَّة وغيرها.

توفي رحمه الله ببلدة سِنْجار(4) سنة (661هـ)(5).

وهذه القصيدة النَّادرة الَّتي أنشرُها في هذا العدد من هذه المجلَّة الغرَّاء قد جاءت بأسلوبٍ أدبيٍّ رائع، وهي من بحر الطَّويل؛ بدأها الإمامُ الرَّسْعَني بذكر أبياتٍ في ذمِّ الدُّنيا والتَّحذير منها، والتَّذكير بالموت والدَّار الآخرة، ثمَّ حثَّ على اتِّباع الكتاب والسُّنَّة والسَّير على نهج سلف الأمَّة خاصَّة الأئمَّة الأربعة منهم، وذكرَ شيئًا مِنْ منهجهم في الاعتقاد خاصةً في مهمَّات المسائل؛ كالاستواء على العرش والكلام، وحذَّرَ من أهل الكلام والفلسفة ومناهجهم، ثمَّ نوَّه بفضل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله من بين الأئمَّة الأربعة، وذكر بعضَ مناقبِه ومناقبِ أصحابه الَّذين نصروا العقيدةَ الصَّحيحةَ في زمن الفتنة والامتحان، وحملوا لواء عقيدة السَّلف عبر التَّاريخ.

وقد عثرتُ على نسخة خطِّيَّة لهذه القصيدة في آخر مخطوطة «مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي، المحفوظة بدار الكتب المصريَّة برقم (311 تاريخ)، وهي مكتوبة بخطٍّ نسخيٍّ معتاد.

وناسخُها هو: محمود بن محمَّد بن عمر الشَّشيني الشَّافعي، انتهى منها في يوم 13 رمضان سنة (850هـ) بالحرم المكِّيِّ الشَّريف تجاه البيت الحرام.

وقد وقع النَّاسخُ في أخطاءٍ واضحةٍ وتصحيفاتٍ حاولتُ إصلاحَها حتَّى تبدوَ القصيدةُ مستقيمةً في اللُّغة والمعنى، كما أضفتُ بعض الكلمات بين معقوفتين [ ] أرى أنَّها سقطت سهوًا من قلم النَّاسخ.

وهذا نصُّها مع شرحها:

 

رب يسِّرْ وأَعِنْ

قال الشَّيخ الإمام العالم العامل عزُّ الدِّين، زين المحدِّثين، تاج العلماء، أبو محمَّد عبد الرَّازق ابن رزق الله بن أبي بكر بن خلف بن أبي الهَيْجاء الرَّسْعَني الحنبلي، قدَّس الله روحَه:

إِلامَ التمادي في بوادي الجواهِلِ وسـعـيًـا إلـى مـا لا يـعــودُ بطـائِلِ

«إِلاَمَ» ههنا استفهامٌ، وحُذفت أَلِفُها لدخول حرف الجرِّ عليها؛ فرقًا بينها وبين «ما» الَّتي بمعنى الَّذي، ومنه قوله عز وجل: ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُون[النبأ:1]، و ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا[النازعات:43].

و«التَّمادي»: التَّطاوُل والامتداد.

و«البوادي»: جمع بادية.

و«سعْيًا» و«هجْرًا» و«وَصْلاً» مصادر.

وهجرًا لما يُجدي ويَهدي إلى التُّقى ووَصْلاً لـما يُـردي ويُلْـهـي ببــــــاطِلِ
وقد نـصـب الـموتُ المُطيفُ حبائل وأرواحُـنــــا صـيــدٌ لـتـلــك الحـبـائِلِ

«المُطيفُ»: المُحيطُ من كلِّ جانب.

«الحبائل»: جمعُ حِبالة، وهي شَرَكُ الصَّائد.

فيـــا نفسُ مـــا الدنيـا بدار إقامةٍ فلا تخطبي منها عروسَ الرذائل 
مـواثــيقُــهــا مـحلولةٌ لا تفي بها مخــاريقُـهــا مــحـفـوفـةٌ بالغوائل

«المخاريق»: جمع مِخْراق، وهو أن يخرج الباطلُ في صورة الحقِّ، يُمَوَّهُ به على الضَّعفة.

و«الغوائلُ»: جمع غائلة، وهي الخصلةُ الَّتي تغولُ، أي: تُهلكُ في خُفيةٍ.

صنــائـعُـهـــا مـعـروفــةٌ معْ صِـحابها وقــائعُهـــا مــوصـوفـةٌ فــي الأوائل
فكم فصمَتْ مُلْكًا رفيعًا عمــــادُه وكم قصَمَتْ مَلْكًا منيعَ الجحافل

و«الفَصْمُ»: قطعُ الشَّيء المستدير.

و«القَصْمُ»: كسرُ الشَّيء من طوله.

و«المَلْك» بسكون اللام: المَلِك، وبه قرأ عبدُالوارث عن(6) أبي عمرو من طريق القَصَبي وأبي مَعْمَر: ﴿مَـلِكِ يَوْمِ الدِّين[الفاتحة:4] (7).

«الجحافل»: جمع جَحْفَل، وهو الجيش. 

وكم جدَلَتْ ذا نَجْدة بعــواقــــلٍ وكم عقَلَتْ مُستَعْصِماً بالمعاقل

و«جدَلَتْه»: رمتْه بالجَدالَة، وهي الأرض، ومنه قول الشَّاعر(8):

قد أركبُ الآلةَ بعد الآلهْ وأترُكُ العــاجِـزَ بالجَـدالَـه

ومنه سُمِّيَ الجِدالُ جَدَلاً؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من الخصمين يقصدُ العُلُوَّ على صاحبه بالحجَّة وترْكَه بالجَدالة، وقيل: سُمِّيَ بذلك من جَدَلْتُ الحبلَ إذا فتلتُه وأحكمتُه، فالمتناظران كلُّ واحدٍ منهما يفتلُ صاحبَه بالحجَّة إليه.

و«النَّجدةُ» بفتح النُّون: القوَّة.

و«العواقل»: جمع عاقلة، والعاقلةُ جمع عاقل، وهو الَّذي يدفع الدِّيَّةَ من أقارب الشَّخص، عقلتُ: قيَّدتُ.

«مُستعصِمًا»: مُستمسِكًا.

و«المعاقلُ» جمع مَعْقِل وهو الحِصْن.

وكم قد أَرَتْ في غَدْرِها وجهَ غُدْرها وأَصْمَتْ بـسهمِ الوَهْـم من فَهْم عـــاقل
وكم سفكتْ في حبِّهـا دمَ عــــــاشقٍ فـأَثْوَتْه شَلْوًا(9) في الثـــرى والجـــــنادل

«سفكت»: أراقت، والسَّفْك مخضُ الدَّم، والسَّفْحُ والصبُّ والإراقةُ يُستعمَلُ في الدَّم وغيره.

«أثَوْتُه»: أسكنْتُه، ومنه [قوله] عز وجل: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا[العنكبوت:58] في قراءة حمزة والكسائي.

و«الشَّلْو»(10): الجسدُ لا روح فيه، ومنه قول الشَّاعر(11):

وذلك فـي ذات الإلـه وإن يشـأْ يبارك على أوصال شَلْوٍ ممزّع

و «الثرى»: التراب.

و«الجنادل»: جمع جَنْدَل، وهو الصَّخر، واحدتُه جَنْدَلَة.

وكـم أَيْتَمَتْ مـــــن ذي تمائمَ أزهُرٍ وكم أثكلَتْ أو أرملَتْ من حلائل

واليتيم من ابن آدم: موتُ الأب، وموتُ الأم في غيرهم.

«التَّمائم»: الرُّقى.

«الأزهُر»: من الزُّهْرة، وهي البياض.

و«أوْ» هنا بمعنى الواو، فيكون التَّقدير: وأَرْمَلَتْ، وهذا جائزُ الاستعمال، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا[الإنسان:24]، معناه: وكفورًا، كذا قال أربابُ التَّفسير، ثمَّ(12) قال جرير:

نــال الخلافةَ أو كانـت لـه قـدرًا كما أتى ربَّه موسى على(13) قدر

معناه: وكانت له قدرًا.

و«الحلائل»: جمعُ حليلة، وهي الزَّوجة.

فيا غُبَّرات الموت جدُّوا وشمِّروا ولا تغفُلوا فالموت ليس بغافل 

«الغُبَّرات»: البقايا، وهو من الأضداد، يقال: غبَّر بمعنى: ذهب وبقي.

وما غَرَضُ الأوقات إنّ سهامَه مفوَّقةٌ ترميكمُ في المَقاتل

و«الغَرَضُ»: ما يُنصب في الهواء من ورَقٍ ونحوه.

و«تفويقُ السِّهام»: أن يُجعل فُوقُها في الأوتار للرَّمي.

فوَالله لو لم نلقَ غيرَ انتقالنا إلى جَدَثٍ في صَحْصَحٍ غيرِ آهل

«الجدَثُ»: القبر.

«الصَّحْصَحُ»: الصحراء.

«الآهِل»: ذو الأهل، كما يقال: رجلٌ ثامر، أي: ذو ثمر، ونابل أي: ذو نُبْل.

ويُسْلِمُنا للدود أهلُ وِدادنا ونُتْركُ أكلاً للهوام القواتل

«يُسْلمنا»: أي يخلِّي بيننا وبين الدود

«الأكل» بسكون الكاف وضمِّها ـ وبكلٍّ قُرئَ ـ: الشَّيءُ المأكول.

و«الهوامُّ» بالتَّشديد: جمع هامَّة، وهو الدَّبيب، يقال: همَّ هميمًا إذا دبَّ.

«القواتل»: جمع قاتلة، وما كان على فاعلةٍ فهو في الجمع فواعل، كضاربة وضوارب، وذاهبة وذواهب، وكذا المذكَّر إذا كان اسمًا كقادم وقوادم، فإنْ كان صفةً فهو في الجمع فُعَّل وفُعَّال، كصائم وصُوَّم وصُوَّام، وقد يُستعمل في الجمع فواعل في الشِّعر، قال الشَّاعر(14):

وإذا الرجـــــال رأوْا يزيـدَ رأيتهـم خُضُعَ الرقاب نواكسَ الأبصار
ونُهجَرُ بل نُنسى كأن لم يكن لنا وجودٌ ولم يُحْفَل بنا فـي الـمحـــــافل
لكـــان جــديرًا أن يطــول اكتئابُنا ونبــكي نجـيـعًـــــا بعد طَلٍّ ووابــــــل

«الجديرُ بالشَّيء»: الخليقُ به والحريُّ والحقيقُ، وفي معناه: فلانٌ قمينٌ بكذا، وقَمِنٌ بكسر الميم وفتحها.

و«النَّجيعُ»: الدَّمُ الطَّريُّ.

و«الطَّلُّ»: صغارُ المطر.

و«الوابل»: كباره، وسمِّي بذلك لاشتداد وَقْعِه، فكلُّ وبيلٍ ثقيل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَخْذًا وَبِيلاً[المزَّمل:16]، ويقال: وبلت السَّماء، تبلُّ وَبْلاً.

فكيف وموتٌ ثم قبرٌ ومحشرٌ ونارٌ وعارٌ معْ توالي تلاتل

«التَّلاتل»: الأمور العظام، ويقال: تراتر.

«النَّائل»(15): العطاء.

ودارٌ يُجازى الناسُ فيها بفعلهم فهــــذا بأغــــلالٍ وذا بغــــلائــــــل
وهذا بعدلٍ فـــي جحيــــمٍ مُعَذَّب وهذا بفضلٍ فـــــي نعيمٍ ونـــــائل
فإن شئت أن تُعطى نعيماً مؤبَّدًا وتسكنَ جنـاتٍ ذوات خمــــــائل

«الخمائل»: جمعُ خميلة، وهي الرَّوضة.

فدِنْ بكتاب الله واتْبَعْ رسولَه فمنه الهدى لا من مصلٍّ وبائلٍ

«الواوُ» في قولنا: «لا من مصلٍّ وبائلٍ» للجمع لا للتَّرتيب؛ إذ الأصلُ فيها الجمعُ في قول عامَّة أهل اللِّسان، فيكون تقديرُ الكلام: لا ممِّن بال ثمَّ صلَّى ولم يتوضَّأ، والإشارةُ في ذلك إلى أبي الحسن الأشعري، فإنَّه قد نُقل عنه أنَّه بال يومَ العيد وصلَّى ولم يتوضَّأ، فقيل له في ذلك فقال: «هذه بُوَيْلةُ العيد»(16).

أثيمٌ زنيمٌ مفندٌ معتدٍ معًا رجيمٌ لئيمٌ قائلٌ غيرُ فاعل(17)

 

«أثيمٌ» و«رجيم»: فعيلٌ بمعنى مفعول، أي هو مأثومٌ مرجومٌ بالطَّرد عن حرَم السُّنَّة، والمرادُ بالزَّنيم أنَّه يُعرَفُ بالبدعة والشَّرِّ كما تُعرَفُ الشَّاةُ بزنمتها.

و«المفند» هنا: المفسِد، والفَنَد الفساد، ويكون المفند بمعنى المثبط وبمعنى التَّوبيخ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُون[يوسف:94].

واَلله الله الكـــــلامَ وأهـــــــــــــله فهم فئةٌ لا يعبـــــــــأون بنــــــــــــاقل
يروْن بـــأنّ الــــديـــن نِيـطَ برأيهم وأنّ كلام المصطفى غيرُ فاصل
تواترت الآثــــارُ فــــي ذمِّهم فهــــم زنــــــــادقةٌ مــــــا آمنوا بالرســــائـــل
قضى الشافعيُّ الأَلْـمَعِيُّ بضربهم وإشْهارهم كيْ يُعرَفوا في القبائل

 

«الأَلْـمَعِيُّ»: الفطِنُ الذَّكيُّ، يُقال: رجلٌ أَلْـمَعِيٌّ ويَلْمَعِيٌّ للمتوقِّدِ ذكاءً، قال الشَّاعر(18):

الألمعيُّ الَّذي يظنُّ بك(19) الظنَّ كـأنْ قــد رأى(20) وقــد سـمـعا
وكِلْ علمَ أخبار الصفات وآيِهــــــــا إلى الله(21) واحذَرْ شرَّ كلِّ مجادِل
وإيَّـــــــاك والتَّــأويـــــلَ فهْــــو ضـــلالةٌ وحَدْسٌ وتخمــيـــــنٌ وَخِـيـــمُ الـمناهل

 

«الحدس» و«التَّخمين»(22).

«المناهل»: جمع منهل، وهو اسمٌ للماء الَّذي يُنهَلُ منه، وقد يكون مصدرًا مثل النَّهْل، والنَّهْل: الشّرب الأوَّل.

وقل إنَّ ربِّي في السَّماء قد استوى على العرش واقطع كلَّ وهْمٍ وزائلِ

 

«الزَّائل»: الفارق(23).

وأَطْلِقْ جوازَ الأيْن فالنصُّ ثابتٌ(24) صحيحٌ صريحٌ ظاهرٌ غيرُ خامل

 

«الخامل»: الخفيُّ، ومنه خَمْل البساط؛ لأنَّه يسترُ ما خلفه، والرَّوضة خميلةٌ لهذا المعنى.

وقُلْ إنّ قـــــولَ الله صـــوتٌ وأحرُفٌ وهل ســـألـــتَ يا أشعريُّ بقـــــــــائلِ
ومن قال «يــا مــــوسى أنــا الله» غيرُه؟ فأصبح يُتلى في الضحى والأصايلِ

 

«الأصايلُ»: جمع آصال، والآصال جمعُ أُصُل، والأُصُل جمع أصيل، وهو العشيُّ.

وأسْنِدْ لهــم أقـــــــــوالَ أفضل مرسَلٍ بشرعٍ علا قهراً على كـــــــل صائلِ
فإن عارضوا يوماً بأَخْطَلهم(25) فقُلْ ألا كلُّ شكلٍ يقتدي بالـمُشاكِلِ

 

«الشّكل»: المِثْل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاج[ص:58].

وقل لهمُ إن هم أصرُّوا وعاندوا ألا يا نُفاةَ الحق هل من مُباهِلِ

 

و«المُباهلةُ»: المُلاعنة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ الله عَلَى الْكَاذِبِين[آل عمران:61]، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «من شاء باهلتُه أنَّ المسائل لا تعولُ»، أي: لاعنتُه.

وبيِّنْ لهم أخبـــارَ أحْبــــــــارِ ديننــــــــا نجومِ الهدى والعالـــــمين الأمـــــــاثلِ
كسيِّدِ أهل البصرة الحسن الذي فضائلُه أرْبَتْ علـــى كــــــل فــاضلِ

 

«أرْبَتْ»: زادت، قال ابنُ السِّكِّيت(26): يقال: قد أربى على السَّبعين زاد عليها، ويقال: سابَّه فأربى عليه أي زاد.

ونُعْمـــــــــانَ والثوريِّ وابنِ عُــــيَـــيْـــنَـــة ومـــــالــــكٍ النــــجـــــمِ الــــذي لم يُعادَلِ
وخِدْنِ السخا والعلمِ أعني ابنَ شافعٍ وسيمَ الـــــمُحَيَّا هـــــاشميَّ الشمـــــائلِ

 

«الخِدْنُ»: الصَّاحب.

«وسيم»: حسن، والوسامةُ للحُسْن، وقومٌ وِسامٌ ونسوةٌ وِسامٌ.

«المُحَيَّا»: الوجه.

و«هاشم» هو ابن عبد مناف.

و«الشَّافعيُّ» من أولاد المطَّلب، [وهو] وهاشم أخوان.

ومن لم يُجارَى في نِجارٍ ولم تزل مناصبُه في العزّ يكفين وائل

 

«النِّجار» ـ بكسر النُّون وضمِّها ـ والنَّجْر كلُّ ذلك بمعنى، وهو الأصل.

ومن نُشرتْ في الناس أعلامُ علمه وصيغت يداه من سحابٍ هواطلِ
وشمسُ سما العلم أعني ابنَ حنبلٍ نصيرُ كتاب الله يومَ التخاذلِ
ومن بذلَ النفسَ النفيسةَ في العُلا فقصَّرَ عنهُ كلُّ عالٍ وكاملِ
ومن طبَّقَ الآفاقَ عـلـمًا وحـكـمــةً ونصَّ منارَ الدين بعد التسافُلِ

 

«نصَّ»: رفعَ، ومنه نصت الظَّبْيَةُ رأسَها إذا رفعته، ومنه المِنَصَّةُ، ومنه سُمِّي النَّصُّ لارتفاعه على سائر الأدلَّة بقوَّة الدّلالة.

«المنار»: العَلَم.

ومن آزرَ الإسلامَ حين تحاملت عليه ثُباتُ الزِّيغ أيَّ تحاملِ

 

«آزر»: قوَّى ونصرَ.

«الثُّباتُ»: [جمعُ] ثُبَّة، والثُّبَّة الجماعة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ[النساء:71].

وسلَّ عليهِ الاعتزالُ سيوفَه وصال عليهِ بالقنا والقنابل

 

«صال»: سطا.

«القنابل»(27): جمع قَنْبَلَة، وهي الجماعة من الفرسان.

فسلَّ فتى شَيْبَانَ صارِمَ علمه وصال عليهِ صَوْلَ من لم يُجامِل

 

«يجامِل»: من المجاملة، وهي المداراة لرغبةٍ أو رهبة.

فبدَّدَ شملَ القوم بعد تحاشُدٍ كتبديد أُسْد الغاب شملَ الغياطل

 

«التَّحاشُد»: الاجتماع، يقال: حشد أي جمع.

«الغَياطِل»: جمع غَيْطلة، وهو ولدُ البقرة، والغَيْطلة أيضًا: الغبار، وهو أيضًا نوعٌ من الشَّجر. 

وغادرهم صرعى بمُعترك الردى وأفناهمُ قتلى وإن لم يُقاتِل

 

«غادرهم»: تركهم، ومنه قوله تعالى: ﴿لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا[الكهف:49]، ومنه سمِّي الغدير؛ لأنَّ السَّيل تركه.

«المعترك»: موضع المعترك في الحرب. 

وقام بنصر الحق حتى تألَّقتْ(28) كواكبُه وابْلَوْلَجَتْ بالدلائل

 

«تألَّقت»: لمعتْ.

«ابلولجت»: افعوعلت من البلجيَّة، وهي الظُّهور، ومنه بَلَج القمرُ إذا ظهر، والبُلْجَةُ: ما بين الحاجبين من الشَّعر(29). 

وخاض بحارَ الموت حتى أَدالَه فعاد رفيعَ الشأن بعد التضاؤُل

 

أداله بالدَّال المهملة: جعل له الدَّولةَ.

«التَّضاؤل»: من قولك: ضئيل، أي: حقير صغير. 

فكم أرغبوهُ بالنُّضار وباللَّهى وكم أرهبوهُ بالسيوف النواصل

 

«النُّضار»: الذَّهب.

و«اللَّهى»: العطايا. 

فلم يُلْفَ يومًا مُرْجَحِنًّا لسَيْبهم ولا مُكْفَهِرًّا عند فَزْع النوازل

 

«يُلف»: يوجد.

«المُرْجَحِنّ»: المائل.

«السَّيْب»: العطاء.

«الاكْفِهْرار»: تغطية الوجه أو تعبيسُه.

«النَّوازل»: الَّتي تنزل بالنَّاس. 

لقد نال مجدًا لا يُرامُ وحَلَّ مَنْ بروح المعالي في أعالي المنازل

 

«المعالي»: جمع مَعْلاة، وهي الخصلة العالية القدر.

فأحمدُنا بين الأئمة كلِّهم كأحمدِنا في المرسلين الوسائل(30)
فيا صَحْبَه هُنِّيتُمُ باتّبــــاعه فأنتم به في هَضْبَةٍ لم تُطاوَل

 

«الهضبة»: الموضعُ العالي يُهتَضَمُ به، جمعه هضبات. 

أعِزّاءُ صيغت من سنايا نفوسكم وصينت فلم تكشف قناعَ المسائل

 

«السَّنايا» ممدود: الشَّرف.

«صينت»: من الصِّيانة، والمعنى أنَّها لا يظهر ما يقوم بها من الحاجات، بل يكتمُ ذلك غيرةً وعِفَّةً. 

زهدتُم فسُدتُم وامْتَطَيْتُم ذُرى العُلى على رغْم أنف الأكثرين القلائل

 

«الذُّرَى» بضمِّ الذَّال جمع ذِرْوَةٍ بكسرها، وهي أعالي الشَّيء.

«على رُغْم»: أي على ذُلٍّ، من الرُّغام وهو التُّراب. 

وما زلتمُ شُمَّ العرانين لم يشُن شَرى عزِّكم نقصَ الْتماس الرذائل

 

«شمُّ العرانين»: طوالها، والعرانين: جمع عِرْنين وهو الأنف، وهذا ضربٌ من المجاز يُنحى به نحو العزَّة والأُبَّهة.

«الشّرَى»: الزِّيادة. 

وُجودكمُ زانَ الزمانَ وأهلَه وَجودُكمُ غَوْثٌ وغيثٌ لماحِل

«الماحِل»: المُمْحِل، ويقال: بلدٌ مُمْحِلٌ وماحِلٌ؛ إذا كان مُجْدَبًا لا نبْت فيه ولا أهل. 

وأنتم حُماةُ الدين في حَوْمة الوغى وأنصارُه عند اصطفاف المناصل

«الوغى»: الحرب.

«المناصل»: جمع مُنْصُل وهو السَّيف.

و«اصطفافُها»: تصادُمُها.

وأنتم صياريفُ الحديث وصحبُه فمن لم تُوَلُّوه الروايةَ لا يلي
وأنتم بحـورُ العلم والنـــاسُ جدوَلٌ وهل يلحقُ اللاذِيَّ نقْعُ الجداول

 

و«الجدولُ» بفتح الجيم وكسرها: النَّهرُ الصَّغيرُ.

«اللاَّذي»: واحدُ اللَّواذي، وهو معظمُ البحر.

وعالِمُكم عالٍ على كل عالِـمٍ وعامِلُكم(31) والٍ على كل عامِل
ولـلـــه ســـرٌّ فــيـكــمُ ودلـــيـــلُــــه ظهورُكمُ معْ كثرة المتحامِلِ
وأنتم وُلاةُ القلـب فـي كل حالةٍ وحبُّكمُ حَشْو الشوَى والأياطل

 

«الشّوى»: الأطراف، ومنه قوله عز وجل: ﴿نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى[المعارج:16]، ويكون بمعنى الأمر الهيِّن، وبمعنى رذال المال، والشّوى أيضًا: جمع شواة، وهي جلد الرَّأس.

«الأياطل»: جمع أَيْطَل، وهو الخاصرة، والإِطْلُ الخاصرة أيضًا، وقد تُكسرُ الطَّاء، والجمع أطلاء.

أرى بغضَكم مِرْقاةَ كلّ ضلالةٍ وحبُّكمُ مرآةُ وجه الفضائل
وذمُّـــكمُ سيـمـا لكلِّ(32) منــافقٍ ومدحُكمُ مفتاحُ باب النوافل

 

«النَّوافل»: الزِّيادات.

فيا ربِّ قد أخلصتُ حبِّي لأحمدٍ فلم يَثْنِ رأيي فيه عَذْلُ العواذل
وما جمحَتْ نـفسي لخُلَّب مطمعٍ وما طمحَتْ عيني إلى حال حائل

 

«جمحت»: أسرَعَتْ.

«الخُلَّب»: ما يدلُّ على المطر وما يمطر، وهو البرق، أصلُه من خلبتُه، أي خدعتُه. 

ولم أَنْأَ عنهُ راكباً لقَمَ المُنى ولا طالِباً لينَ الملا والمآكل

 

«اللَّقَم»: الطَّريق، سمِّي بذلك؛ لأنَّه يلتقم المارِّينَ، كما سمِّي السِّراط؛ لاستراطه المارِّين فيه.

«الملا»: أصله المدُّ؛ لكن قُصر لضرورة الشِّعر، وهو معمول الكتَّان. 

ولم آلُ ممّن يرتضي الشعرَ شيمةً وإن كنتُ من أسبابه غيرَ عاطل

  

«الشّيمةُ»: السَّجيَّةُ والخُلُق. 

ولكنّه لما اكتسى فخرَ مدحه صرفتُ إليهِ همَّةً لم تُحاوَل

 

«تحاول»: من الحَوْل، وهو القوَّة.

فـألـبـسـتُـه ثـوبَ الفصــــاحة مُعْلِمًا وأبرزتُه في صورةٍ لم تُماثَل
ورَصَّـــعــتُــه إذْ صـــغْــتُــــه مـتـجــانسًا بذَرِّ معاني ما ألمَّتْ بساحل
فلو كان شخصاً كان في الحُسْن يوسفًا وفي الفضل إكليلاً لعقد الأفاضل
وقِــيــسَ بــقَــيْــسٍ حِــلْــمُـــه وســخـاؤُه بحاتمِ طيٍّ إذ يرى وجهَ سائل

 

و«قَيْسٌ» هو ابنُ عاصم المِنْقَري، وكان الغايةَ القصوى في الحِلْم، حتَّى قيل للأحنف ابن قَيْس: هل رأيتَ أحلمَ منك؟ فقال: إِي والله، قَيْسُ بنُ عاصم، لقد كنَّا نتردَّدُ إليه في الحِلْم كما نتردَّدُ إلى العالِم في العلم. 



(1) وشارحُها لم يُنصَّ في النُّسخة الخطِّيَّة على اسمه، لكن يظهر أنَّه صاحبُ القصيدة نفسها.

(2) في بعض المصادر: «عبدالرَّزَّاق».

(3) طُبع مؤخَّرًا في تسعة مجلَّدات.

(4) تقع قريبًا من مدينة الموصل.

(5) انظر في ترجمة الرَّسعني: «عقود الجمان» لابن الشعَّار (4/ 131)، و«مجمع الآداب» لابن الفُوَطي (1/ 214)، و«تاريخ الإسلام» للذَّهبي (وفيات 661 ـ 670هـ/ ص72)، و«الذيل على طبقات الحنابلة» لابن رجب (4/ 77).

(6) في النُّسخة: ابن أبي عمرو، وهو تصحيف ظاهر، وعبد الوارث هو ابن سعيد، روى القراءةَ عن أبي عمرو البصري.

انظر: «غاية النهاية» لابن الجزري (1/ 478).

(7) وهي قراءة شاذَّة، انظر: «مختصر شواذّ القرآن» لابن خالويه (9).

(8) هو أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري.

(9) كتب النَّاسخ: «يثلوا»، والظَّاهر أنَّها مصحَّفة، بدليل ما استشهد به في الشَّرح من بيت خُبَيْب رضي الله عنه.

(10) كتبها النَّاسخ مصحَّفَةً: «الثلو».

(11) هو الصَّحابي الجليل خُبَيْب رضي الله عنه.

(12) كذا في النُّسخة.

(13) كتب النَّاسخ هنا: «له»، وهو من أخطائه.

(14) هو الفرزدق.

(15) هكذا جاءت الكلمة مفسَّرةً هنا، وموضعها البيت الَّذي بعد الآتي.

(16) حاشا الإمامَ أبا الحسن الأشعري أن تُنسبَ له هذه الحكاية، وهو العابد الزَّاهد، وهي من اختلاق أبي علي الأهوازي عليه، وقد أشار إليها الرَّسعني الشَّاعر هنا تبعًا لبعض الحنابلة الَّذين ذكروا أشياء من مثالب الأشعري أكثرها لا يصحُّ.

انظر: «تبيين كذب المفتري» لابن عساكر (395).

(17) وهذه مبالغة عظيمة من الشَّاعر في ذمِّ الأشعري، ولعلَّه يقصد جنس أهل الكلام من الجهميَّة والمعتزلة.

وما أجمل قول شيخ الإسلام ابن تيميَّة في وصف أبي الحسن الأشعري ـ كما في «مجموع الفتاوى» (12/ 204) ـ: «الأشعريُّ ابتُلي بطَّائفتين: طائفة تبغضُه، وطائفة تحبُّه، كلٌّ منهما يكذبُ عليه».

(18) هو أَوْس بن حُجْر التَّميمي.

(19) كذا في النُّسخة، وهكذا في بعض روايات البيت، وفي بعضها الآخر: «لك».

(20) في النُّسخة: «درى»، وهو تصحيف أو خطأ.

(21) ليس مرادُ المؤلِّف هنا تفويضَ علمِ معاني الصِّفات ودلالتها إلى الله تعالى، فهي على ظاهرها ومنطوقها، وإنَّما مرادُه تفويضُ علمِ كيفيَّاتها وحقائقها الَّتي لا يعلمُها إلاَّ الموصوفُ بها سبحانه.

(22) هكذا جاءت الكلمتان في النُّسخة بدون شرح.

(23) في النُّسخة: فارق.

(24) وهو حديث الجارية الَّتي سألها النَّبيُّ ﷺ بقوله: «أين الله؟»، وهو في «صحيح مسلم» (537).

(25) الإشارة إلى غياث بن غَوْث الأخطل، الَّذي يستشهد المتكلِّمون بقوله:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جُعل اللسانُ على الفؤاد دليلا

(26) انظر: «إصلاح المنطق» (242).

(27) تصحَّف في النُّسخة إلى قبائل، وكذا ما بعده إلى قبيلة.

(28) في النُّسخة: «تألفت»، بالفاء، وهو خطأ.

(29) كذا في النُّسخة، والأولى أن يقول: «والبُلْجَةُ ما بين الحاجبين إذا كان نقيًّا من الشّعر»، انظر: «القاموس» (ب ل ج)، و«تاج العروس» (5/ 427).

(30) الوسائل: جمع وسيلة، وهي في اللُّغة ما يُتقرَّبُ به إلى الغير، والمعنى أنَّ المرسلين يُتقرَّبُ بالإيمان بهم وحبِّهم واتِّباعهم إلى الله تعالى، وليس المرادُ التَّقرُّبَ بذواتهم؛ فإنَّه من الوسائل المحرَّمة الممنوعة.

(31) في النُّسخة: «وعالكم»، وهو خطأ.

(32) في النُّسخة: «كل»، وزدتُ اللاَّم خوفًا من انكسار وزن البيت.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 12»



SAPE ERROR: Нет файла /home/raya/public_html/templates/rayatalislah/images/cache/24055d62b5e1193cef213c5cb41a36ed/links.db. Создать не удалось. Выставите права 777 на папку.