أنت هنا:الحديث وعلومه»من أعلام النبوة تسلط الـمسلمين على اليهود

من أعلام النبوة تسلط الـمسلمين على اليهود

  • أ.د. عبد المجيد جمعة
تم قراءة المقال 2107 مرة

 

عن أبي هريرة  رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال:

«لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ فَيَقْتُلُهُمُ المُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبئَ اليَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الحَجَرُ أو الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ! هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ إِلاَّ الغَرْقَد فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ اليَهُودِ».

أوَّلاً ـ تخريج الحديث:

أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب قتال اليهود (2768) ومسلم ـ واللَّفظ له ـ في الفتن وأشراط السَّاعة، باب: لا تقوم السَّاعة حتَّى يمرَّ الرَّجلُ بقبر الرَّجل (2922)، وفي رواية لابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا، بلفظ: «تُقَاتِلُكُمُ اليَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَقُولُ الحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ»، أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النُّبوَّة في الإسلام (3398)، ومسلم في الفتن وأشراط السَّاعة، باب لا تقوم السَّاعة حتَّى يمرَّ الرَّجلُ بقبر الرَّجل (2921).

ثانيًا ـ المعنى الإجمالي:

إنَّ الصِّراع بين المسلمين وبين اليهود مستمرٌّ إلى قيام السَّاعة، وإنَّ اليهود مهما كانت لهم دولة؛ فإنَّما هي جولة، ومهما كانت لهم دائرة فهي سائرة، وعلى الباغي تدور الدَّوائر، وتدول الدَّوائل، ولهذا بشَّر النَّبيُّ ﷺ أمَّته أنَّ العاقبة لهم والنَّصر حليفهم، حيث أخبر أنَّه سيقتتل المسلمون مع اليهود في مستقبل الزَّمان؛ فيتسلَّط المسلمون عليهم، ويظهر الله عز وجل الآيات البيِّنات، ويسخِّر للمسلمين الجمادات، ويُنْطِقُ الحجرَ والشَّجرَ إذا اختفى يهوديٌّ وراءه ليدلَّ عليه، فيقول للمسلم: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهوديٌّ ورائي فاقتله، فجمع بين وصفين: الإسلام والعبوديَّة لله تعالى، ليبيَّن أنَّ الَّذي يستحقُّ هذا الفضل من جمع هذين الوصفين.

ثمَّ استثنى النَّبيُّ ﷺ ذلك الشَّجر اليهودي الخبيث الَّذي يشبههم في خبثهم وشرِّهم، وهو شجر الغرقد،  فلا يدلُّ عليهم؛ لأنَّه منهم.

ثالثًا ـ أحكام الحديث:

دلَّ هذا الحديث على حِكَم وأحكام كثيرة، نجملها فيما يلي:

أوّلا: فيه إثباث قيام السَّاعة ـ وهو أحد الأركان الَّتي لا يستقرُّ إيمان العبد إلاَّ بها ـ وأنَّ لها علامات وأشراطًا، تكون هذه العلامات إيذانًا بقربها، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا[محمد:18].

ثانيًا: قوله: «اليهود»، قيل: سمِّيت اليهود اشتقاقًا من هادُوا: أَي تابوا، والهَوْد: التَّوبة، هَادَ يهود هَوْدًا وهيادة، وتهوَّد: تاب ورجع إلى الحقِّ، فهو هائد: أي تائب، قال الشَّاعر:

إنّي امرؤ من حبّه هائد

أي تائب، وسمُّوا بذلك؛ لأنَّهم تابُوا عن عبادة العجل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ[الأعراف:156]، أي تبنا إليك.

واليهود جمع يَهُودِيٍّ، فأَدخلوا الألف واللاَّم فيها على إِرادة النَّسب، كما يُقال في المجوس: مَجوسِيٌّ، وفي العَجَم والعَرَب: عَجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ؛ وأَرادوا باليَهُودِ اليَهُودِيِّينَ، ولكنَّهم حَذَفُوا ياءَ الإضافة، كما قالوا: زِنْجِيٌّ وزِنْج.

وقيل: لنسبتهم إلى «يهوذا» أكبر أولاد يعقوب عليه السلام، فقلبت العرب الذَّال دالاً؛ لأنَّ الأعجميَّة إذا عرِّبت غيِّرت عن لفظها.

وبناءً على هذا، لا يصحُّ تسمية اليهود بـ«إسرائيل» أو «إسرائليِّين»، أو تسمية دولتهم: «دولة إسرائيل»، كما هو شائع على ألسنة السِّياسيِّين والباحثين والصَّحفيِّين، بل كثير من المسلمين؛ لأنَّ «إسرائيل» هو لقبُ يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام، قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ[آل عمران:93]، وقد سمَّاهم الله تعالى في القرآن الكريم: «بني إسرائيل»؛ وبنو إسرائيل هم ذرِّيَّته، ونسبة لهذا، سمَّى اليهود دولتهم بدولة إسرائيل ـ «علمًا بأنَّهم لا يَمُتُّونَ بصلة إلى العبرانيِّين الإسرائيليِّين القدماء، بل هم أخلاط من شعوب الأرض المتهوّدين، تسوقهم دوافع استعماريَّة وعنصرية»(1).

وقد ترتَّب على هذا من المفاسد، أن صار كثير من المسلمين إذا لعنوا اليهود وذمُّوهم وشتموهم قالوا: «لعن الله إسرائيل» ونحو ذلك، وجهلوا أنَّهم يلعنون نبيَّ الله من حيث لا يعلمون، وهذا من كيد اليهود وتحريفهم الكَلِمَ عن مواضعه، كما هي عادتهم، ولهذا يعجبهم أن يتسمُّوا بهذا الاسم؛ لأنَّهم يدَّعون أنَّ إبراهيم عليه السلام كان على ملَّتهم ودينهم، فأرادوا أن ينتسبوا إليه وإلى نسله يعقوب عليه السلام، فأكذَبهم الله، وأدحض حجَّتهم، ونزَّه إبراهيم عليه السلام من دعاويهم الكاذبة، وبيَّن أنَّه كان على الحنيفيَّة الإسلاميَّة، ولم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا مشركًا، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين[آل عمران:67]؛ وكذلك يزعمون أنّهم شعب الله المختار، ولهذا  سمّاهم الله تعالى بني إسرائيل،  بخلاف اسم «اليهود»، فإنَّهم يشمئزُّون من تسميتهم بذلك؛ لأنَّ كلمة «يهودي» تعتبر شتيمة، ولهذا ذكرت كلمة اليهود في القرآن الكريم في موطن الذَّمِّ حين ضلُّوا عن الحقِّ وانحرفوا عن الصِّراط المستقيم، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله[التوبة:30]، وقوله سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ[المائدة:64]، وهذا يدلُّ على أنَّهم لقِّبوا بهذا اللَّقب بعد فساد حالهم؛ وللشَّيخ عبد الله بن زيد آل محمود رسالةٌ باسم: «الإصلاح والتَّعديل فيما طرأ على اسم اليهود والنَّصارى من التَّبديل»، فيها تحقيق بالغ بأنَّ «يهود» انفصلوا بكفرهم عن بني إسرائيل زمن بني إسرائيل، كانفصال إبراهيم الخليل عليه السلام عن أبيه آزر(2).

ثالثًا: فيه إشارة إلى أنَّ اليهود سيحتلُّون بيت المقدس، ويجتمعون كلُّهم فيه، وأنَّهم يغرسون شجرة الغرقد، ليحتموا بها ويختفوا من ورائها؛ فيقاتلهم المسلمون فيتسلّطون عليهم، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا[الإسراء:7]، ويشهد له أيضا ما رواه البخاري (3005) عن عوف بن مالك قال: أتيت النَّبيَّ ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبَّة من أدم فقال: «اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ»، وذكر بقيَّة الحديث.

ففيه علم من أعلام النَّبوَّة، حيث وقع ما أخبر به النَّبيُّ ﷺ، فقد احتلَّ اليهود بيت المقدس، وأكثروا من غرس شجرة الغرقد في الأراضي الفلسطينيَّة المغتصبة، لعلمهم بما أخبر به النَّبيُّ ﷺ؛ وسيقاتلهم المسلمون ويغلبونهم، كما أخبر بذلك الصَّادق المصدوق ﷺ.

رابعًا: وفيه من أعلام النَّبوَّة أيضًا، حيث أخبر النَّبيُّ ﷺ عن أمر غيبيٍّ سيقع، وقد وقع الاقتتال مرَّات وكرَّات، وكان القتال سجالاً، وسيقع القتال الحاسم الَّذي تحسم فيه المعركة وينتصر المسلمون على اليهود الظَّالمين، كما وعدنا به سيِّد المرسلين ﷺ، وإنَّ غدًا لناظره لقريب.

خامسًا: وفيه دلالة على أنَّ الصِّراع مع اليهود ليس قصير الأجل، قريب الأمل، بل يمتدّ إلى قيام السَّاعة، مهما تخلّله التطبيع المفضي إلى التمييع.

سادسًا: وفيه بيان أنَّ اليهود أشدُّ عداوة للمسلمين من غيرهم، لأنّ النبي ﷺ أخبر أنّه سيقاتل المسلمون اليهود، ولم يذكر طائفة أخرى، ولا شكّ أنّ عداوتهم قديمة منذ بعثة النبي ﷺ ، فقد كفروا  بالرَّسول ﷺ، وهمُّوا بقتله غير مرَّة، وسمّوه وسحروه، ونقضوا عهده، وألَّبُوا عليه أعداءه، وتحالفوا مع كفَّار قريش ضدَّه.

وقد استمرَّت عداوتهم للإسلام والمسلمين إلى العصر الحديث، حيث احتلُّوا أرض فلسطين، وعاثوا فيها فسادًا، فشرَّدوا أهلها، وقتلوا أطفالها، ودمَّروا ديارها، وخرَّبوا مساجدها، وجرفوا أراضيها، وقلعوا أشجارها، وانتهكوا حرماتها، وما حدث في «غزَّة» اليوم خيرُ شاهد على ما تكنُّه هذه العصابة المارقة من البغض الشَّديد، والعداء المديد لأهل التَّوحيد، فهذا المدعو: «مناحيم بيجن» يقول في كلمته: «أنتم أيُّها الإسرائيليُّون! لا يجب أن تشعروا بالشَّفقة حتَّى تقضوا على عدوِّكم، ولا عطف ولا رثاء حتَّى تنتهوا من إبادة ما يسمَّى بالحضارة الإسلاميَّة، الَّتي سنبني على أنقاضها حضارتنا»(3).

وقد كشف الله تعالى هذه الحقيقة فقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ[المائدة:82].

سابعًا: قوله: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ»، المراد بقتال اليهود وقوع ذلك عند خروج الدَّجَّال، ونزول عيسى عليه السلام، ويشهد لذلك ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: «يَنْزِلُ الدَّجَّالُ في هَذِهِ السَّبَخَةِ(4) بمَرِّقَنَاة فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْجِعُ إِلَى حَمِيمِهِ وَإِلَى أُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ فَيُوثِقُهَا رِبَاطًا مَخَافَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ ثُمَّ يُسَلِّطُ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِ فَيَقْتُلُونَهُ وَيَقْتُلُونَ شِيعَتَهُ حَتَّى إِنَّ الْيَهُودِيَّ لَيَخْتَبئُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَوْ الحَجَرِ فَيَقُولُ الحَجَرُ أَوْ الشَّجَرَةُ لِلْمُسْلِمِ: هَذَا يَهُودِيٌّ تَحْتِي فَاقْتُلْهُ» رواه أحمد (9/ 255)، وفيه محمَّد بن إسحاق، وهو مدلِّس، وقد عنعنه، وبقية رجاله ثقات؛ وقد وقع صريحًا في حديث أبي أمامة رضي الله عنه في قصَّة خروج الدَّجَّال ونزول عيسى عليه السلام، وفيه: «قَالَ عِيسَى عليه السلام: افْتَحُوا البَابَ فَيُفْتَحُ وَوَرَاءهُ الدَّجَّالُ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْف يَهُودِيٍّ كُلّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلَّى وسَاج(5)، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ الدَّجَالُ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ المِلْحُ في المَاءِ وَيَنْطَلِقُ هَارِبًا، وَيَقُولُ عِيسَى عليه السلام: إِنَّ لِي فِيكَ ضَرْبًةً لَنْ تَسْبقَنِي بهَا فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ اللّدّ الشَّرْقِي؛ فَيَقْتُلُهُ فَيَهْزِم اللهُ اليَهُودَ فَلاَ يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا خَلَقَ اللهُ يَتَوَارَى بهِ يَهُودِيٌّ إِلاَّ أَنْطَقَ اللهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ لاَ حَجَر وَلاَ شَجَر وَلاَ حَائِط ولاَ دَابَّة إِلاَّ الغَرْقَدَة فَإِنَّها مِنْ شَجَرِهِمْ لاَ تَنْطِقُ إِلاَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ المسلم هَذَا يَهُودِيٌّ، فتعال اقتله».

أخرجه ابن ماجه (4077)، وصحَّحه الشَّيخ الألباني رحمه الله في «صحيح الجامع» (7875)، وقال الحافظ في «الفتح» (6/ 610): «وأصله عند أبي داود ونحوه في حديث سمرة رضي الله عنه عند أحمد بإسناد حسن؛ وأخرجه ابن منده في كتاب الإيمان من حديث حذيفة رضي الله عنه بإسناد صحيح».

ولا يفهم من هذا أنَّ المسلمين يبقون مكتوفي الأيدي ينتظرون نزول المسيح عليه السلام ليقتل اليهود، ويطهِّر بيت المقدس من دنسهم، بل هو إخبارٌ عمَّا سيقع في آخر الزَّمان، بل الواجب عليهم أن يعدُّوا العدَّة لاسترجاع البيت المقدس في أيِّ وقت.

ثامنًا: فيه إشارة إلى أنَّ الصِّراع بين المسلمين واليهود، وتحرير البيت المقدس من الاحتلال لا يكون إلاَّ بالجهاد في سبيل الله تعالى، لا بعقد المؤتمرات، وإجراء المفاوضات، وكثرة القرارات، ورفع الشِّعارات وإقامة المظاهرات، أو اللُّجوء إلى مجلس الأمن (لليهود)! أو الرُّجوع إلى هيئة الأمم المتَّحدة (على المسلمين)! وقد جرّبت هذه الوسائل: بدءً باتِّفاقيَّة «كامب ديفد» (المعاهدة المصريَّة اليهوديَّة)، ومرورًا باتِّفاقيَّة «أوسلو»، واتِّفاقيَّة وادي عربة (المعاهدة الأردنيَّة اليهوديَّة)، وكلُّها باءت بالفشل، بل تحدّى هؤلاء اليهود قرارت مجلس الأمن القاضية بانسحاب إسرائيل (الدولة اليهودية) من الأراضي الفلسطينة، بل ما زادهم ذلك إلاَّ تصلُّبًا بمواقفهم، ونقضًا لعهودهم، واستخفافًا بمفاوضيهم، وقد نقضوا الوعود والعهود مع الله ومع رسوله ﷺ، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ[الرعد:25]، وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ الله وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلا[النساء:155]، فكيف لا ينقضون عهدهم مع الناس؟! إنّ هؤلاء اليهود، لا يحاورون إلا بإراقة الدماء، ولا يفاوضون إلا على رؤوس الجماجم والأشلاء. وإنّ الحرب والإبادة الجماعية في الفكر اليهودي لمن المسلّمات والبديهيات؛ لأنّهم هم الشعب المختار ـ بزعمهم ـ ولأنّ الأرض ملك لهم، فوجب طرد الشعوب منها عن طريق الحرب والإبادة.

وإذا كانت هذه لغتهم، فوجب مخاطبتهم باللُّغة الَّتي يفهمون، وإنَّ اليهود قد اغتصبوا الأرض، فوجب معاملتهم معاملة المغتصب، وإنَّ البيت المقدس أُخِذَ بالقوَّة، ومن الحكمة السَّائرة على ألسنة السَّاسة: «ما أُخِذ بالقوَّة لا يستردُّ إلاَّ بالقوَّة».

صحيح أنَّ الدَّولة اليهوديَّة متفوِّقة من حيث التَّسلُّح، وتعتبر رابع دولة أقوى في العالم من حيث التّرسانة العسكريَّة، وهي مدعَّمة من أمريكا مباشرةً، ومن الدَّول الأوروبيَّة مباشرة أو غير مباشرة، لكن أمرنا الله تعالى بأن نعدَّ لهم العدَّة فقال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ[الأنفال:60]، ثمَّة سلاح آخر استأثر به المسلمون، لا يملكه اليهود ومن شايعهم، ولا يفقهونه، وهو سلاح الإيمان، والاستعانة بالله، وصدق التوجُّه إليه، والدُّعاء في جوف اللَّيل، ولا شكَّ أنَّه أمضى وأنكى.

إن يكن للهود آلات قتال      فلنا فـي هجعة اللَّيل قنــــوت

وقد روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إِنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بضَعِيفِهَا بدَعْوَتِهِمْ وَصَلاَتِهِمْ وَإِخْلاَصِهِمْ» رواه النسائي (3178) بإسناد صحيح، وهو في البخاري (2739) دون زيادة: «بدعوتهم...».

ولقد انتصر المسلمون على المشركين في غزوة بدر بقوَّة الإيمان، رغم أنَّهم كانوا قلَّة وأذلَّة، وانهزموا في غزوة أحد ـ رغم أنَّ النَّصر كان حليفهم في بداية المعركة ـ بسبب مخالفة أمر النَّبيِّ ﷺ، ﴿وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ[آل عمران:152]، والتَّاريخ الإسلامي حافل بالفتوحات الإسلاميَّة والانتصارات الرَّبَّانيَّة بسبب قوَّة الإيمان، رغم قلَّة العدد، وضعف المدد، وهو شاهد على الهزائم والانتكاسات الَّتي لحقت بالمسلمين بسبب ضعف الإيمان واتِّباع الشَّهوات، كما وقع في الأندلس.

تاسعًا: فيه دلالة على أنَّ الله تعالى يؤيِّد المؤمنين في قتال اليهود، بإظهار آياته ومعجزاته، وذلك بتسخير كلِّ الجمادات ـ كما في رواية أبي أمامة ﷺـ لتعين المسلمَ على قتل اليهوديِّ إلاَّ شجرة الغرقد.

عاشرًا: وفيه ظهور الآيات قرب قيام السَّاعة؛ من كلام الجماد من شجر وحجر، وظاهره أنَّ ذلك ينطق حقيقة، وليس ذلك على الله بعزيز، والأمثلة على ذلك كثيرة.

حادي عشر: فيه إشارة إلى أنَّ الصِّراع مع اليهود قائمٌ على أساس الإسلام لقوله ﷺ: «يَا مُسْلِمُ»، ولم يقل: يا فلسطينيُّ، يا مصريُّ، يا عربيُّ...!! وعلى هذا؛ ينبغي أن نعتبر قضيَّة فلسطين قضيَّة إسلاميَّة، بعيدة عن النَّعارات القوميَّة وشعارات العروبة؛ لأنَّ فلسطين أرض مقدَّسة ومباركة بنصِّ القرآن، وهي عريقة بإسلامها، فيها مسجد الأقصى الَّذي أُسْرِي إليه نبيُّنا ﷺ، ومنه عرج به إلى السِّدرة المنتهى، كما قال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ[الإسراء:1]، وكان أولى القبلتين، ومنع من شدّ الرحال إلا إليه والمسجد الحرام والمسجد النبوي؛ وقد اهتمَّ الإسلام بالبيت المقدس اهتمامًا بليغًا منذ أن سطع فجره، حيث بعث النَّبيُّ ﷺ جيشًا بقيادة زيد بن حارثة رضي الله عنه لتخليصه من الرُّوم سنة ثمان من الهجرة، ثمَّ تولَّى الأمر بعده أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، فبعث جيشًا قوامه (24 ألفًا) بقيادة أبي عُبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه، ثمَّ كتب الله تعالى فتحه وتطهيره من أنجاس الرُّوم على يد عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، الفاروق الَّذي فرَّق الله به بين الحقِّ والباطل والإيمان والكفر سنة (15 هجرية ـ 636 ميلادية)، وظلَّت فلسطين إسلاميَّة منذ ذلك الوقت حتَّى سنة (1366هـ ـ 1948م) باستثناء فترة ما بين (1099م ـ 1187م)، الَّتي استطاع فيها الصَّليبيُّون الاستيلاء عليها، ثمَّ أعادها إلى حضن الإسلام القائد القوَّام صلاح الدِّين الأيُّوبي رحمه الله في يوم الجمعة 27 رجب 583هـ ـ 1187م.

وممَّا يؤكِّد على أنَّ قضيَّة فلسطين قضيَّة إسلاميَّة بحتة أنَّ من عقيدة اليهود: هدم المسجد الأقصى وبناء هيكل سليمان عليه السلام المزعوم على أنقاضه، وهي عقيدة لا تخصُّ اليهود، بل تتعدَّى إلى النصرانية البروتستانتيَّة (النصرانية الصُّهيونيَّة)، ولهذا نرى هذا الدَّعم غير المحدود ودون قيود من أمريكا وأوربا لدولة اليهود؛ لأنَّ هذه العقيدة لها أتباع كثر في تلك البلدان، وقد حاول اليهود مرَّات وكرَّات هدم المسجد الأقصى، ويقومون حاليًا بحفريَّات كبيرة تحت أنظار العَالَم، والله المستعان.

ولهذا يحرص اليهود على إبعاد الإسلام من ساحة المعركة لاعتقادهم الجازم أنَّ العرب دون الإسلام لا يساوون شيئًا، فقد نشرت صحيفة «يديعوت أحرنوت» اليهوديَّة في (11/ 3/ 1987م) مقالاً جاء فيه: «إنَّ على وسائل إعلامنا أن لا تنسى حقيقة مهمَّة هي جزء من استراتيجيَّة إسرائيل في حربها مع العرب، هذه الحقيقة هي: أنَّنا نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال ثلاثين عامًا، ويجب أن يبقى الإسلام بعيدًا عن تلك المعركة إلى الأبد، ولهذا يجب أن لا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطَّتنا تلك في استمرار منع استيقاظ الرُّوح الدِّينيَّة بأيِّ شكل، وبأيِّ أسلوب، ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف لإخماد أيِّ بادرة ليقظة الرُّوح الإسلاميَّة في المنطقة المحيطة بنا».

إذًا، فالصراع مع اليهود ليس صراعا سياسيا، بل هو صراع دينيّ عقديّ، فهم يحاربون الإسلام، ولا يعرفون معنى للسلام، فوجب حلّه دينيًّا، ومواجهته عقديًّا.

إنّ هؤلاء العصابة المارقة يقاتلوننا بدينهم الباطل، فلنقاتلهم بديننا الحقّ؛ لأنّ الحق يدحض الباطل، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ[الأنبياء:18].

ثاني عشر: فيه إشارة إلى أنَّ من أسباب النَّصر الرُّجوع إلى الإسلام الصَّحيح والتَّمسُّك بمبادئه وتعاليمه قلبًا وقالبًا؛ وتحقيق التَّوحيد وإخلاص العبوديَّة لله وحده، لقوله ﷺ: «يَا مُسْلِمُ! يَا عَبْدَ اللهِ!»، فمن اتَّصف بهذين الوصفين فهو المؤهَّل لحمل الأمانة ولواء النَّصر، ويشهد له ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه مرفوعًا: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بالعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ وَرَضِيتُمْ بالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزَعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» رواه أبو داود (3462) بإسناد صحيح، والإسلام الصَّحيح هو ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ وأصحابه ومن سار على دربهم من التَّابعين وتابعيهم، ويدلُّ عليه قوله ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَة عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ» رواه أحمد (30/ 355) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، بإسناد صحيح، وأخبر أنَّ الطَّائفة المنصورة إلى يوم القيامة هي ما كان عليه ﷺ وأصحابه.

وإنَّ الله تعالى لا ينصر أمَّةً عمَّت فيها الشِّركيَّات، وفشت فيها الخرافات والمحدثات.

ثالث عشر: فيه إشارة إلى أنَّ اليهود، من خصالهم الجُبْن والخوف من الموت؛ وذلك لشدَّة حرصهم على الحياة، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَالله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُون[البقرة:96]، لقوله ﷺ: «هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي»، وقد بيّن الله تعالى هذه الحقيقة، وكشف عن شخصيَّتهم الضَّعيفة، ونفسيَّتهم الهزيلة، وأنَّهم من جبنهم وهلعهم لا يقدرون على مبارزة أهل الإيمان إلاَّ وهم مستترون خلف الحيطان، مختفون وراء الجدران كالجرذان، بل يخافون من المسلمين أكثر من خوفهم من الله، كما قال تعالى: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ الله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون * لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُون[الحشر:13-14]، ولقد انكشفت هذه الحقيقة في هذا الزَّمان، بشكل واضح للعيان، كما في عدوانهم الأخير على مدينة «غزَّة»، فما كانوا يقاتلون إلاَّ من وراء الطَّائرات والبوارج والدَّبَّابات، وإذا نزلوا بساحة الوغَى، تحصّنوا بالقرى، وإذا اشتدّت الملحمة، سُمع لهم صياح كالذئب إذا عوى.

رابع عشر: فيه دليل على بقاء الإسلام وانتصاره وانتشاره إلى قيام السَّاعة، وإلى نزول عيسى عليه السلام الَّذي يحكم بشريعة الإسلام، ويقاتل الدَّجَّال، ويستأصل اليهود الَّذين هم أتباع الدَّجَّال، لقوله ﷺ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ»، وقد وردت أحاديث تؤكِّد وتؤيِّد هذا المعنى، منها ما رواه ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ» رواه مسلم (7440)، وما رواه تميم الدَّاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلامَ وَذُلاًّ يُذِلُّ اللَّهُ بهِ الكُفْرَ» رواه أحمد (28/ 154)، وصحَّحه الشَّيخ الألباني رحمه الله على شرط مسلم في «تحذير السَّاجد» (ص112).

خامس عشر: وفيه أنَّ اليهود والكيان الصُّهيوني، ستنقضي جولتهم، وتنتهي دولتهم، وتنتكس أعلامهم وتنطمس معالمهم، على أيدي المسلمين، مهما طال الليل والنهار، وتعاقبت الأمصار والأعصار، وإنّما الأمور بالخواتيم.

سادس عشر: فيه دلالة على أنَّ اليهود قومٌ قد انطووا على الخبث كشجرتهم الغرقد، وهي شجرة شوكيَّة، ذات أشواك صلبة، لها تأثير سامٌّ، ولها ثمارٌ لا فائدة فيها، وتنمو في الأراضي الجافَّة المالحة الَّتي لا تصلح للزِّراعة، بل فيها ضرر على الإنسان والماشية، قال الإمام النَّووي رحمه الله في «شرح مسلم» (18/ 45): «الغرقد نوعٌ من شجر الشَّوك معروف ببلاد بيت المقدس».

ولا شكَّ أنَّ للبيئة تأثيرًا عجيبًا في طبائع النَّاس وأخلاقهم، ويظهر هذا جليًّا في اليهود، فقد حرموا كلّ صفات البرّ، وجمعوا كلّ خصال الشَّرِّ: من المكر والغدر، والحسد والبغض، والخيانة ونقض الوعد، والقسوة والغلظة، وقتل الأنبياء، والفحشاء والمنكر، وأكل الرِّبا والسُّحت، والخزي وغير ذلك، ويكفيك أنّهم أتباع الدجّال الذي إذا خرج أفسد في الأرض، وأهلك الحرث والنسل؛ ولهذا لَمَّا يقتله المسيح عليه السلام، ويستأصل شأفة اليهود، يعمُّ الخير أرجاء الأرض، فيفيض المال ويحسن الحال، وتكثر الزُّروع والضُّروع، وتدفن الأحقاد والأحساد، وتزول الشحناء والبغضاء، ويتحقق الأمان حتى مع الحيوان، وينزل من السَّماء ماء ليطهِّر الأرض من أرجاسهم وأنجاسهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُم ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلاً، فَيَكْسِر الصَّلِيبَ، وَيَقْتُل الخِنْزِيرَ، وَيَضَع الجِزْيَةَ، وَيَفِيض المَال حَتَّى لاَ يَقْبَلُهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، ثمَّ يقول أبو هريرة رضي الله عنه: واقرأوا إن شئتم: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا[النساء:159]».

وعن النَّوَّاس بن سمعان رضي الله عنه في حديث الدَّجَّال المطوَّل، وفيه: «ثُمَّ يَهْبطُ نَبيُّ الله عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلى الأَرْضِ فَلاَ يَجِدُونَ في الأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلاَّ مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبيُّ الله عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إلى اللَّهِ، فَيُرْسِلُ اللهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ البُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لاَ يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ العِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بقِحْفِهَا وَيُبَارَكُ في الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإِبلِ لَتَكْفِي الفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ لَتَكْفِي القَبيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الغَنَمِ لَتَكْفِي الفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ فَتَقْبضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الحُمُرِ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ»، رواه مسلم (2137).

وفي حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أيضًا: «فَيَكُونُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ في أُمَّتِي حَكَمًا عَدْلاً، وَإِمَامًا مُقْسِطًا، يَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَذْبَحُ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الجِزْيَةَ، وَيَتْرُكُ الصَّدَقَةُ، فَلاَ يسْعَى عَلَى شَاةٍ وَلاَ بَعِيرٍ، وَتُرْفَعُ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ، وَتُنْزَعُ حُمَةُ كلِّ ذات حُمة، حَتَّى يُدْخِلَ الوَلِيدُ يَدَهُ في في الحَيَّةِ فَلاَ تَضُرُّهُ، وَتُفِرُّ الوَلِيدَةُ الأَسَدَ، فَلاَ يَضُرُّهَا، وَيَكُونُ الذِّئْبُ في الغَنَمِ كَأَنَّهُ كَلْبُهَا، وَتُمْلأُ الأَرْض مِنَ السِّلْمِ كَمَا يملأُ الإنَاء مِنَ المَاءِ، وَتَكُونُ الكَلِمَةُ وَاحِدَة، فَلاَ يُعْبَدُ إِلاَّ اللهُ، وَتَضَعُ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَتُسْلَبُ قُرَيْشٌ مُلْكَهَا، وَتَكُونُ الأَرْضُ كَفَاثُورِ الفِضَّةِ، تُنْبِتُ نَبَاتَهَا بعَهْدِ آدَمَ، حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى القَطْفِ مِنَ العِنَبِ فَيُشْبعَهُمْ، وَيَجْتَمِعُ النَّفَرُ عَلَى الرُّمَّانَةِ فَتُشْبِعَهُمْ، وَيَكُونُ الثَّورُ بِكَذَا وَكَذَا مِنَ المَالِ، وَتَكُونُ الفَرَسُ بالدُّرَيْهِمَاتِ» رواه ابن ماجه (4077)، وفيه ضعف، لكن هذه الفقرات لها شواهد، كما نبَّه عليه الشَّيخ الألباني رحمه الله في «قصَّة المسيح الدَّجَّال» (49).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «طُوبَى لِعَيْشٍ بَعْدَ المَسِيحِ؛ يُؤْذَنُ لِلسَّمَاءِ في القَطْرِ وَيُؤْذَنُ للأَرْضِ في النَّبَاتِ حَتَّى لَوْ بَذَرْتَ حَبَّكَ عَلَى الصَّفَا لَنَبَتَ وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الأَسَدِ فَلاَ يَضُرُّهُ وَيَطَأُ عَلَى الحَيَّةِ فَلاَ تَضُرُّهُ وَلاَ تَشَاح ولاَ تَحَاسُدَ ولاَ تَبَاغُضَ»، وصحّحه الشَّيخ الألباني رحمه الله في «صحيح الجامع» (7366).

 



(1) انظر: «الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة» العقل والقفاري (ص18 ـ 19)، الرِّياض، دار الصميعي/ ط1، 1413هـ ـ 1992م.

(2) انظر «لسان العرب»: مادة «هود»، «تاج العروس» (9/ 353)، «تفسير ابن كثير» (1/ 285)، «تفسير القرطبي» (1/ 432)، «معجم المناهي اللَّفظيَّة» للشيخ بكر أبو زيد، «حكم تسمية اليهود بإسرائيل» للشَّيخ ربيع بن هادي المدخلي.

(3) «صراعنا مع اليهود» (59).

(4) السبخة ـ بالفتح ـ الأرض المالحة، وجمعها: سباخ، انظر: «مشارق الأنوار» (2/ 399).

(5) السَّاج: هو الطيلسان الأخضر، انظر: «النهاية» (2/ 432).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 13»