أنت هنا:الحديث وعلومه»حديث: «لا تطروني...»

حديث: «لا تطروني...»

  • عثمان عيسي
تم قراءة المقال 797 مرة

 

عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما سَمِعَ عُمَرَ رضي الله عنه يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:

«لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ».

***

أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء: باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا[مريم:16]، برقم (3445).

وأخرجه مطوَّلاً في كتاب الحدود: باب رجم الحبلى من الزِّنا إذا أحصنت، برقم: (6830).

وأخرجه الحميدي في «مسنده» (27)، وأحمد في «مسنده» (164، 154، 331)، والدَّارمي في «سننه» (2784)، وابن حبَّان في «صحيحه» (6239)، وأبو يعلى في «مسنده» (153)، والبزَّار في «مسنده» (194) والطَّيالسي في «مسنده» (24) وعبد الرَّزَّاق في «مصنفه» (9758).

يدلُّ هذا الحديث على أصل كبير من أصول الدِّين الدَّالَّة على وسطيَّة دين الإسلام بين سائر الملل والشَّرائع، وهذه الوسطيَّة سمة امتاز بها دينُنا الحنيف، وخاصيَّةٌ من أعظم خصائصه وأبرزها، وأهلُه المنتسبون إليه بحقٍّ، أهلُ وسط، عدول، لا هُمْ بأهل غلوٍّ فيه، ولا هُمْ بأهل تقصير وجفاء، «فكما أنَّ الجافي عن الأمر مضيِّع له، فالغالي فيه مضيِّع له، هذا بتقصيره عن الحدِّ، وهذا بتجاوزه الحدَّ»(1).

قوله ﷺ: «لا تُطْرُونِي»: اختلفت عبارات أهل اللُّغة ـ في معنى الإطراء، فمنها ما يدلُّ على الثَّناء فقط، ومنها ما يدلُّ على المبالغة، ومنها ما يدلُّ على مجاوزة الحدِّ فيه، وإلى هذا الأخير نحا الأكثرون(2).

إذًا فـ«الإطراء» هو:

«مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَدْحِ والكَذِبُ فيه، والزِّيادةُ في الثَّناء والغلوُّ فيه».

قوله: «النَّصارى»: وهم أهل ملَّة من الملل الكتابيَّة، هكذا اسمهم في الكتاب والسُّنَّة، أمَّا تسميتهم بـ«المسيحيِّين» فَغَلَطٌ، نبَّه عليه علماؤنا المحقِّقون؛ لأنَّ المسيحي لا يُقال إلاَّ لمن آمن بعيسى بن مريم عليه السلام عبدًا لله ورسولاً له، واتَّبعه وصدَّقه فيما أخبر به، ومن ذلك تبشيره بنبيٍّ يأتي من بعده اسمه أحمد، كما قال الله عزَّ وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ[الصف:6].

أمَّا الَّذين لم يتَّبعوه فليسوا بمسيحيِّين، وإنَّما هم «نصارى» كما سمَّاهم الله عزَّ وجلَّ، وعيسى بن مريم ﷺ بَرِيءٌ منهم(3).

قوله: «ابْنَ مَرْيَمَ»: «فنسبه إلى أمِّه لينفي نسبته إلى غيرها، فلا يُنسب إلى الله تعالى أنَّه ابنه ولا إلى أبٍ من البشر، كما زعمت النَّصارى الغالية فيه، ولا كما زعمت اليهود الكافرة به»(4).

وفي هذا فَائِدَتَانِ:

«إحداهما: بَيَانٌ أنَّهُ مَوْلُودٌ، وَاللَّهُ لَمْ يُولَدْ.

وَالثَّانِيَةُ: نِسْبَتُهُ إلى مَرْيَمَ؛ بأَنَّهُ ابْنُهَا لَيْسَ هُوَ ابنَ اللَّهِ»(5).

بيَّن الحديث أنَّ النَّصارى هم الَّذين أطروا نبيَّ الله عيسى بن مريم، وهذا من غلوِّهم فيه وفي دينهم، «وَغُلُوُّ النَّصَارَى في عِيسَى قَوْلُ بَعْضِهِمْ هُوَ اللَّهُ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ هُوَ ابْنُ اللهِ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ هُوَ ثَالِثُ ثلاثَةٍ»(6)، و«هذه الأقوال جميعها قول طوائف النَّصارى المشهورة: الملكيَّة(7) واليعقوبيَّة والنَّسطوريَّة؛ فإنَّ هذه الطَّوائف كلَّها تقول بالأقانيم(8) الثَّلاثة: الأب والابن وروح القدس، فتقول: إنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثة، وتقول عن المسيح إنَّه الله، وتقول إنَّه ابن الله، وهم متَّفقون على اتِّحاد اللاَّهوت والنَّاسوت(9)، وأنَّ المتَّحد هو الكلمة، وهم متَّفقون على عقيدة إيمانهم(10) الَّتي تتضمَّن ذلك وهو قولهم: نؤمن بإله واحدٍ آب ضابط الكلِّ، خالق السَّماوات والأرض، كلّ ما يرى وما لا يرى وبربٍّ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كلِّ الدُّهور، نور من نور إله حقّ من إله حقٍّ، مولود غير مخلوق»(11).

وقال الحافظ ابن كثير (2/ 479): «وكلُّ هذه الفرق تُثْبِتُ الأقانيم الثَّلاثة في المسيح، ويختلفون في كيفيَّة ذلك، وفي اللاَّهوت والنَّاسوت على زعمهم! هل اتَّحدَا، أو ما اتَّحدَا، بل امتزجَا أو حلَّ فيه؟ على ثلاث مقالات، وكلٌّ منهم يكفِّر الفرقة الأخرى، ونحن نكفِّر الثَّلاثة» اهـ.

قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا الله إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِالله وَكِيلا[النساء:171].

قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (2/ 477): «ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلوِّ والإطراء، وهذا كثير في النَّصارى، فإنَّهم تجاوزوا حدَّ التَّصديق بعيسى، حتَّى رفعوه فوق المنزلة الَّتي أعطاه الله إيَّاها، فنقلوه من حيِّز النُّبوَّة إلى أن اتَّخذوه إلهًا من دون الله يعبدونه كما يعبدونه،... ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ؛ أي: إنَّما هو عبد من عباد الله وخَلْق من خلقه، قال له: كنْ فكان، ورسولٌ من رسله، وكلمته ألقاها إلى مريم، أي: خَلقَه بالكلمة الَّتي أرسل بها جبريل عليه السلام إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربِّه عزَّ وجلَّ، فكان عيسى بإذن الله عزَّ وجلَّ،... ولهذا قيل لعيسى: إنَّه كلمة الله وروح منه؛ لأنَّه لم يكن له أبٌ تَوَلَّد منه، وإنَّما هو ناشئ عن الكلمة الَّتي قال له بها: «كن» فكان، والرُّوح الَّتي أُرسل بها جبريل...» اهـ.

قال قَتَادة: في قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ «هو قوله: كُنْ فَكَان»(12).

وقال شاذُّ بنُ يحيى: «ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمةِ صارَ عيسى»(13).

فعيسى عليه السلام مخلوق من روح مخلوقة وأضيفت الروح إلى الله على وجه التَّشريف، كما أضيفت النَّاقة والبيت إلى الله، فهي من خلق الله تعالى، ومن عنده، وليست من للتَّبعيض كما تقوله النَّصارى ـ عليهم لعائن الله المتتابعة ـ بل هي لابتداء الغاية.

وعيسى عليه السلام بريء من هذا الَّذي ادَّعوه فيه وفي أمِّه، فقد جاء في القرآن الكريم ذلك صريحًا واضحًا لا شكَّ فيه ولا ريب، قال تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُون[المائدة:75].

وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد[المائدة:116-117].

قوله: «أَنَا عَبْدُهُ»: هذا وصف ملازم له غير زائل عنه ﷺ؛ لأنَّ منزلة العبوديَّة هي أساس الشَّرف للرُّسل والمؤمنين؛ ولهذا يذكر الله تعالى نبيَّه بوصف العبوديَّة في أعلى المقامات، فقال سبحانه وتعالى في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير[الإسراء:1]، وقال في مقام التَّحدِّي: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا[البقرة:23]، وقال تعالى في مقام الدَّعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا[الجن:19]، وقال سبحانه وتعالى في مقام الإنذار: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا[الفرقان:1].

قوله: «فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»: أي: صفوني بذلك كما وَصَفني ربِّي.

قال الإمامُ ابنُ القيِّم في «مدارج السَّالكين» (3/ 440): «وأمَّا سيِّد ولد آدم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فإنَّه كمل مرتبة العبوديَّة فاستحقَّ التَّقديم على سائر الخلائق فكان صاحب الوسيلة والشَّفاعة الَّتي يتأخَّر عنها جميع الرُّسل ويقول هو: أنا لها، ولهذا ذكره الله ـ سبحانه وتعالى ـ بالعبودية في أعلى مقاماته وأشرف أحواله... ولهذا يقول المسيح حين يُرغب إليه في الشَّفاعة: «اذْهَبُوا إِلى مُحَمَّدٍ، عَبْدٌ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ»(14) فاستحقَّ تلك الرُّتبة العليا بتكميل عبوديَّته لله وبكمال مغفرة الله له» اهـ.

وقال ابنُ أبي العزِّ الحنفي في «شرحه على العقيدة الطَّحاوية» (1/ 149): «وَاعْلَمْ أَنَّ كَمَالَ المَخْلُوقِ في تَحْقِيقِ عُبُودِيَّتِهِ للهِ تَعَالَى، وَكُلَّمَا ازْدَادَ العَبْدُ تَحْقِيقًا لِلعُبُودِيَّةِ ازْدَادَ كَمَالُهُ وَعَلَتْ دَرَجَتُهُ وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ المَخْلُوقَ يَخْرُجُ عَنِ العُبُودِيَّةِ بوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وَأَنَّ الخُرُوجَ عَنْهَا أَكْمَلُ، فَهُوَ مِنْ أَجْهَلِ الْخَلْقِ وَأَضَلِّهِمْ...» اهـ.

فـ«عبد الله» تُبطِل الغلوَّ، «ورسوله»: تُبطلُ الجفاءَ، فلا يُغَالَى في النَّبيِّ ﷺ فيُعبَد من دون الله، أو يعطى من خصائص الرُّبوبيَّة أو الألوهيَّة، ولا يُجفَى فيُكَذَّب ولا يُمتَثل أمرُه ولا تُتَّبَع سنته، والحقُّ وسط بين الغلوِّ والجفاء، وهو صراطُ الله المستقيم، ودينُه القويم، طريقُ النَّجاة الوحيد الموصل إلى اللهِ العزيزِ الحميد.

***

- إشكال وجوابه:

فإن قال قائل:

ما علمنا أنَّ أحدًا ادَّعى في رسولِ الله  ﷺ ما ادُّعِيَ في عيسى عليه السلام؟!

- فالجواب من ثلاثة أوجه:

الأوَّل: أنَّ هذا فيه «سدٌّ للذَّرائع الَّتي تؤدِّي إلى الشِّرك بالله، فالرَّسول ﷺ ما من خير إلاَّ دلَّ الأمَّة عليه، وما من شرٍّ إلاَّ حذَّرها منه، وكلَّما كان الشَّيء أخطر كانت العناية به أعظم، فالشِّرك لَمَّا كان أعظم الذُّنوب وأظلم الظُّلم على الإطلاق، وهو الذَّنب الَّذي لا يغفره الله والَّذي حرَّم الله على صاحبه الجنَّة ومأواه النَّار، لَمَّا كان بهذه الخطورة حذَّر منه ﷺ غاية التَّحذير ومنع من أيِّ وسيلة تؤدِّي إليه، كما منع من إطرائه في هذا الحديث لئلاَّ يفضي ذلك إلى أعظم محذور، وكما لعن ﷺ اليهود والنَّصارى في اتِّخاذهم قبور أنبيائهم مساجد وهو في شدَّة المرض الَّذي مات فيه، كلُّ ذلك حماية منه ﷺ لجناب التَّوحيد وسدًّا للطُّرق الَّتي تنتهي إلى الشِّرك»(15).

الثَّاني: أنَّ من الصَّحابة من بالغ في تعظيمه، فنهاهم النَّبيُّ ﷺ عمَّا عساه يبلغ بهم العبادةَ باستهواء الشَّيطان واستجرائه.

فعن أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبيِّ ﷺ: يَا سَيِّدَنَا، وَابْنَ سَيِّدِنَا، وَيَا خَيْرَنَا، وَابْنَ خَيْرِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قُولُوا بقَوْلِكُمْ وَلاَ يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ(16) الشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ، وَرَسُولُ اللهِ، وَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَا رَفَعَنِي اللهُ»(17)، وفي لفظ(18): «فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ».

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ! فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ: «أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلاً! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ»(19).

الثَّالث: «أنَّه ليس من شرط النَّهي أن يكون المنهيّ عنه قد فُعِل، وإنَّما هو منع من أمرٍ يجوز أن يقع»(20).

«وهذا يقتضي أنَّ مَنْ رفع امرأً فوق حدِّه وتجاوز مقداره بما ليس فيه فمعتدٍ آثم؛ لأنَّ ذلك لو جاز في أحدٍ لكان أولى الخلق بذلك رسول الله  ﷺ» اهـ(21).

إنَّ الغلوَّ في الدِّين غيرُ مرضيٍّ في الإسلام، وشريعةِ نبيِّنا محمَّد ﷺ خيرِ الأنام، وقد نهى عنه اللهُ ورسولُه ﷺ، ومع وجود النُّصوص الكثيرة والمتنوِّعة في مختلف أبواب الشَّريعة، المحذِّرة والمنفِّرة من الغلوِّ بشتى أشكاله ـ سواء في الاعتقادات، أو في الأعمال(22) ـ، فقد آلَ إليه ـ مع الأسف الشَّديد ـ طوائفُ من أمَّةِ النَّبيِّ ﷺ على مرِّ الدُّهور والعصور، وهو باقٍ إلى يوم النَّاس هذا، يعلمُ ذلك كلُّ مَن اطَّلع على ما أُحدث في الأمَّة من عقائد، وطرائق ومناهج مخالفة للدِّين، ومجانبة لشريعة ربِّ العالمين.

وسأمثِّل بطائفتين ضالَّتَيْن وهما: الرَّافضة والمتصوِّفة من أصحاب الطُّرق، لِما لَهما من نشاطٍ رهيب، ومَدٍّ زاحفٍ مريب، ومددٍ ودعمٍ وتأييدٍ من قوى الكفر من اليهود والنَّصارى عجيب!

ـ يزعم الرَّافضة «أنَّ أئمَّتهم يعلمون الغيب، وأنَّهم يحيون الموتى، وأنَّهم قادرون على إبراء الأكمه والأبرص، وأنَّ كلَّ ما جاء من صفاته تعالى فإنَّ المراد بها أئمَّتهم، كوجه الله، ويده، ولسانه، وبابه، وأنَّهم الأسماء الحسنى، كما زعموا أنَّ أئمَّتهم أفضل من الأنبياء، كما عبدوهم من دون الله تعالى، وجعلوا أضرحتهم مزاراتٍ وأعيادًا، وصيَّروها أوثانًا»(23).

ـ يزعم غلاةُ الصُّوفيَّة أنَّ الله خلق الكون مِن نورِ نبيِّنا محمَّد ﷺ(24).

ـ أنَّ الكون خلق من اسمه ﷺ وحضوره وقربه من ربِّه(25).

ـ زعمهم أنَّ بنور نبيِّنا محمَّد ﷺ تجري الأنهار وتثمر النَّباتات وتظهر أسرار الأرض(26).

ـ زعمهم أنَّ الرَّسول  ﷺ ليس من البشر، بل هو بالرُّوح القدسي والقالب النَّبوي(27).

ـ زعمهم أنَّ الرَّسول ﷺ لم يمت، ولكنَّه حيٌّ مخلَّد، قد تستَّرَ عمَّن لا يفقه عن الله(28).

ـ زعمهم أنَّ الرَّسول  ﷺ يعلم الغيب(29).

وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرض ردِّه على النَّصارى في كتابه الفذِّ «الجواب الصَّحيح لمن بدَّل دين المسيح» مضاهاةَ قول غلاة الصُّوفيَّة المنتسبين إلى الإسلام وغيرهم قول النَّصارى في عيسى عليه السلام، إذ قالوا في النَّبيِّ ﷺ: «إنَّ ذات النَّبيِّ كانت موجودة قبل خلق آدم، ويقولون إنَّه خُلق مِنْ نور ربِّ العالمين ووجد قبل خلق آدم وأنَّ الأشياء خلقت منه حتَّى قد يقولون في محمَّد ﷺ من جنس قول النَّصارى في المسيح حتَّى قد يجعلون مدد العالم منه ويروون في ذلك أحاديث وكلُّها كذب»(30).

ـ غلوّ الضُّلاَّل في النَّبيِّ ﷺ، وإطراؤهم له فوق الحدِّ المشروع، فأبوا إلاَّ مخالفة أمره وارتكاب نهيه، وناقضوه أعظم المناقضة فغلوا فيه وبالغوا في إطرائه وادَّعوْا فيه ما ادَّعت النَّصارى في عيسى أو قريبًا منه، فسألوه مغفرة الذُّنوب وتفريج الكروب وشفاء الأمراض ونحو ذلك ممَّا هو مختصٌّ بالله وحده لا شريك له، وكلُّ ذلك من الغلوِّ في الدِّين.

وصور الغلو في الدِّين كثيرة متنوِّعة، نصَّ عليها العلماء، وبيَّنوها نصحًا للأمَّة، وتحذيرًا منها، وذبًّا عن دين ربِّ العالمين، ومؤلَّفاتُ أئمَّة السُّنَّة المسندة وغيرها، زاخرة بالتَّحذير من الغلوِّ ـ وأهله ـ بمختلف أنواعه وصوره وأشكاله القديمة والحديثة.

مدح الرَّسول ﷺ منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم: «فالمحمود: هو أن يوصف بكلِّ كمال يليق بالإنسان،... والمدح المذموم: هو الَّذي يتجاوز فيه الحدُّ ويقع به المادح في المحذور الَّذي لا يرضاه الله ولا رسوله ﷺ، وذلك: أن يوصف ﷺ بما لا يجوز أن يوصف به إلاَّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أو أن يصرف له ﷺ ما لا يستحقُّه إلاَّ الباري جلَّ وعلا...»(31).

***

* فوائد الحديث وما يستنبط منه:

ـ إظهار سنَّة رسول الله ﷺ ونشرها.

ـ كمال نصح وبلاغ الرَّسول ﷺ لأمَّته.

ـ سدُّ الذَّرائع الَّتي تؤدِّي إلى الشِّرك.

ـ بيان ما وقع فيه النَّصارى من الغلوِّ في عيسى عليه السلام.

ـ تحذير الأمَّة من الوقوع فيما وقعت فيه النَّصارى.

ـ الجمع بين الأمر والنَّهي، وأنَّ على المفتي إذا أرشد إلى المنع من محذور أن يدلَّ على مأمور به هو خير.

ـ وصفه ﷺ بأنَّه عبد الله ورسوله امتثالاً لأمره  ﷺ.

ـ الإشارة في الجمع بين وصفه بكونه عبد الله ووصفه بكونه رسوله إلى دفع الإفراط والتَّفريط، والغلو والجفاء.

ـ بيان أنَّه ﷺ لا يخرج عن أن يكون عبدًا لله تعالى حيث قال: «إنَّما أنا عبده».

وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدِّين.



(1) «مدارج السَّالكين» (2/ 496).

(2) انظر: «تاج العروس» (38/ 488).

(3) انظر: «فتاوى الشَّيخ ابن باز» (5/ 387)، «لقاءات الباب المفتوح» (43/ السُّؤال رقم 8)، «إعانة المستفيد» (1/ 271)، «معجم المناهي اللَّفظيَّة» (93).

(4) «الرَّدُّ على البكري» لشيخ الإسلام ابن تيمية (2/ 460).

(5) «مجموع الفتاوى» (2/ 449).

(6) «مجموع الفتاوى» (17/ 274 ـ 275), والتَّثليث أصلٌ في عقيدة النَّصارى كلِّهم، ولكنَّهم مختلفون في كيفيَّته.

(7) ويقال لها أيضا (المَلْكَانِيَّة).

(8) الأقانيم: جمع كلمة «أقنوم»، وقد اختلف النَّصارى في معناها كثيرًا، واضطربوا في تفسيرها فـ«تارة يقولون أشخاص، وتارة خواص، وتارة صفات، وتارة جواهر، وتارة يجعلون الأقنوم اسما للذَّات والصِّفة معا، وهذا تفسير حُذَّاقهم، انظر: «الجواب الصحيح» (3/ 200).

(9) اللاَّهوت: الجانب الإلهي من طبيعة عيسى عليه السلام عند النَّصارى.

والنَّاسوت: الجانب الإنساني من عيسى عليه السلام عندهم.

(10) وهو ما يُعرَف بـ«قانون الإيمان» عند النَّصارى، ويعتبر من لا يؤمن به عندهم ليس مسيحيًّا!

(11) «الجواب الصَّحيح لمن بدَّل دين المسيح» (2/ 12).

وهذا الَّذي نقله شيخ الإسلام لا يخرج عن صيغة القانون المترجمة إلى العربيَّة والمعتمدة في كنائس النَّصارى اليوم.

(12) أثر صحيح، أخرجه عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» (658).

(13) أثر صحيح، أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (6310).

(14) ما وجدته بهذا اللَّفظ، وإن كان أصله في «الصَّحيحين»، فقد رواه البخاري (4712) ومسلم (194).

(15) «مجموع كتب ورسائل الشَّيخ العلاَّمة عبد المحسن العبَّاد البدر ـ حفظه الله ـ» (2/ 215 ـ 216).

(16) أي: يذهب بعقولكم وهواكم.

(17) حديث صحيح أخرجه أحمد (13529)، انظر: «الصَّحيحة» (1097).

(18) «المسند» (13596) وإسنادُها صحيح.

(19) حديث صحيح لغيره أخرجه أحمد (1839)، وابن ماجه (2117), انظر: «الصحيحة» (138).

(20) انظر: «كشف المشكل من حديث الصَّحيحين» لابن الجوزي (1/ 65).

(21) «تفسير القرطبي» (5/ 247).

(22) انظر: «اقتضاء الصِّراط المستقيم» (1/ 288).

(23) شرح يوسف بن محمَّد السَّعيد لـ«المسائل الَّتي خالف فيها رسول الله ﷺ أهلَ الجاهليَّة» (1/ 251).

(24) كلامهم هذا ثابت عنهم في مصادرهم ومراجعهم، انظر: «الابريز من كلام عبد العزيز الدبَّاغ» (ص: 224 ـ 225).

(25) «الابريز» (ص: 224 ـ 225).

(26) «الابريز» (ص: 222).

(27) قاله أبو المواهب الشَّاذلي كما في «الطَّبقات الكبرى للشَّعراني» (ص: 588).

(28) قاله ـ أيضا ـ أبو المواهب الشاذلي كما في «الطَّبقات الكبرى للشَّعراني» (ص: 591)، وانظر: «جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض التِّيجاني» (1/ 118).

(29) «الابريز» (ص: 246 ـ 249). وانظر ردَّ العلماء على البوصيري في بيته المشهور: ومن علومك علم اللوح والقلم!

(30) «الجواب الصَّحيح» (3/ 384).

(31) «مجموع كتب ورسائل الشَّيخ عبد المحسن العبَّاد البدر» (2/ 216 ـ 217) بتصرُّف.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 23»