طباعة

موقف الشيعة من السنة

  • أ. د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 724 مرة

 

 

إنَّ الحديث عن الشِّيعة وموقفهم من السُّنَّة الشَّريفة والأحاديث النَّبويَّة هو الكلام عن فرقة فارقت السُّنَّة وأظهرت العداوة لكلِّ ما جاء عن الرَّسول ﷺ من طريق صحابته الأخيار رضي الله عنهم.

وإذا علمنا أنَّ من ركائز دين الشِّيعة تكفيرَ خير القرون؛ عَلِمَ المسلم مدى منابذة هذه الفرقة لكلِّ ما جاء عن النَّبيِّ ﷺ؛ لأنَّ الواسطة بيننا وبينه هم أولئك الصَّفوة من النَّاس الَّذين اختارهم الله لصحبة نبيِّه وتبليغ دينه وشرعه، فالقدح فيهم هو القدح في سنَّته، كما قال الإمام أبو زرعة رحمه الله: «إذا رأيت الرَّجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنَّه زنديق؛ وذلك أنَّ الرَّسول ﷺ عندنا حقٌّ، والقرآن حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآن والسُّنن أصحاب رسول الله ﷺ، وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسُّنَّة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة»(1).

وفي هذا المقال أورد بعض النُّقول عن أئمَّتهم فيه البيان الشَّافي لعقيدتهم وموقفهم من السُّنَّة النَّبويَّة على سبيل الاختصار، وإلا فإنَّ كلامهم في ذلك كثيرٌ لا يُحصر.

وقبل الشُّروع في المقصود ينبغي معرفة أمرين اثنين:

الأوَّل: أنَّ الشِّيعة تدَّعي أنَّ أصول مذهبهم أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف، عاش أكثرهم في عصر جعفر الصَّادق رحمه الله، ثمَّ آلت تلك الأصول بعد أن ضاع معظمها!! إلى أربعة مصنَّفات هي عمدة الشِّيعة في معرفة المرويَّات، ثمَّ زادوا عليها أربعة أصول أخرى فصارت ثمانية.

يقول صاحب «الدِّراية»: «إنَّ الأصولَ الأربعمائة يرادُ بها ما اشتمل على كلام الأئمَّة أو روي عنهم بواسطة؛ يقول الشَّهيدُ الثَّاني في هذا الصَّدد: كان قد استقرَّ أمر الإماميَّة على أربعمائة مصنَّف، سمَّوها أصولًا، فكان عليها اعتمادُهم، وتداعت الحال إلى أن ذهب معظم تلك الأصول، ولخَّصها جماعة في كتبٍ خاصَّة تقريبًا على المتناول، وأحسن ما جمع منها «الكافي»، و«التَّهذيب»، و«الاستبصار»، و«من لا يحضره الفقيه»(2).

وهذه الأصول الأربعمائة المدَّعاة لا وجود لها اليوم، ومع ذلك يطعن فيها بعض علمائهم، كما قال الطُّوسي: «فإذا ذكرتُ كلَّ واحد من المصنِّفين وأصحاب الأصول، فلابُدَّ من أن أُشير إلى ما قيل فيه من التَّعديل والتَّجريح، وهل يُعوَّل على روايته أو لا؟ وأبيِّن عن اعتقاده، وهل هو موافقٌ للحقِّ أو هو مخالف له؟ لأنَّ كثيرًا من مصنِّفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة، وإن كانت كتبهم معتمدة»(3).

الثَّاني: اختلاف أئمَّة الشِّيعة في التَّعامل مع الأحاديث والآثار المرويَّة في مصادرهم المعتمدة كـ«الكافي» للكليني وغيره، فقدماؤهم يقبلون كلَّ ما ورد فيها، ومتأخِّروهم قسَّموا الأحاديث إلى مقبول ومردود، ومن أوائل من قال بالتَّقسيم ابن مطهِّر الحلِّي بعد أن ردَّ عليه شيخ الإسلام ابن تيميَّة في كتابه الماتع «منهاج السُّنَّة»، وبيَّن له ضعف الأحاديث الَّتي يستند إليها ومخالفتها للأصول فلجأ إلى ابتكار التَّقسيم واستفاده من كتب أهل الحديث والمصطلح.

يقول الحرُّ العاملي: «الفائدة التَّاسعة: في ذكر الأدلَّة على صحَّة أحاديث الكتب المعتمدة... ووجوب العمل بها... ويظهر من ذلك ضعف الاصطلاح الجديد على تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وموثَّق وضعيف، الَّذي تجدَّد في زمن العلاَّمة وشيخه أحمد بن طاووس»(4).

وذكر الحرُّ العاملي الأسباب الَّتي من أجلها يُردُّ هذا الاصطلاح ولا يعتبر، فقال:

ـ إنَّ «أصحاب الاصطلاح الجديد قد اشترطوا في الرَّاوي العدالة فيلزم من ذلك ضعف جميع أحاديثنا لعدم العلم بعدالة أحد منهم إلّاَ نادرًا»(5)!!

ـ قال: «إنَّ طريقة المتقدِّمين مباينة لطريقة العامَّة(6)، والاصطلاح الجديد موافق لاعتقاد العامَّة واصطلاحهم، بل هو مأخوذ من كتبهم كما هو ظاهر بالتَّتبُّع، وكما يفهم من كلام الشَّيخ حسن وغيره، وقد أَمَرنا الأئمَّة باجتناب طريقة العامَّة»(7).

ـ قال: «إنَّ الاصطلاح الجديد يستلزم تخطئة جميع الطَّائفة المحقِّقة في زمن الأئمَّة، وفي زمن الغيبة كما ذكره المحقِّق في أصوله»(8).

ـ قال: «إنَّ طريقة القدماء موجبة للعلم مأخوذة عن أهل العصمة؛ لأنَّهم قد أمروا باتِّباعها وقرَّروا العمل بها، فلم ينكروه، وعمل بها الإماميَّة في مدَّة تقارب سبعمائة سنة منها في زمان ظهور الأئمَّة قريب من ثلاثمائة سنة، والاصطلاح الجديد ليس كذلك قطعًا، فتعيَّن العمل بطريقة القدماء»(9).

ـ قال: «فقد ادَّعى بعض المتأخِّرين اختلاط الأصول بغيرها وعدم إمكان التَّمييز، واندراس الأصول وخفاء القرائن، وأنَّهم لذلك وضعوا الاصطلاح الجديد»(10).

ـ قال: «وقد اعترف الشَّيخ بهاء الدِّين والشَّيخ حسن وغيرهما بأنَّ المتأخِّرين ـ أيضًا ـ كثيرًا ما يسلكون مسلك المتقدِّمين ويعملون باصطلاحهم»(11).

فالقدماء ومن تبعهم يرون أنَّ كلَّ ما روي في أصولهم المعتمدة يُعتبر من السُّنَّة عندهم، والمتأخِّرون ارتضوا تقسيم السُّنَّة إلى أقسام منها الثَّابت ومنها ما لا يثبت، فاختلفوا في أصل دينهم ومصادر تلقِّيهم!!

فالسُّنَّة عندهم كلُّ ما روي عن النَّبيِّ ﷺ أو عن الإمام المعصوم، كما قال الحسين بن عبد الصَّمد العاملي: «هي طريقة النَّبيِّ أو الإمام المحكيَّة عنه، فالنَّبيُّ بالأصالة والإمام بالنِّيابة، وهي قول وفعل وتقرير ويتبع ذلك البحث عن الآثار وهي أقوال الصَّحابة والتَّابعين وأفعالهم وأكثر أهل الحديث يطلقون على الكلِّ اسم الحديث ولهذا يقسِّمونه إلى مرفوع وموقوف»(12).

وقال أيضًا: «وأكثر أحاديثنا الصَّحيحة وغيرها في أصولنا الخمسة وغيرها عن النَّبيِّ ﷺ وعن الأئمَّة الاثني عشريَّة المذكورين, وكثير منها يتَّصل بالنَّبيِّ ﷺ وقلَّ أن يتَّفق لنا حديث صحيح عن النَّبيِّ ﷺ ويكون من غير طريقهم، وهذا هو السَّبب في كون أحاديثنا أضعاف أحاديث العامَّة، حيث إنَّ زمان أئمَّتنا امتدَّ زمانًا طويلًا واشتهر الإسلام وكثر في زمانهم العلماء والنَّقلة عنهم من المخالفين والمؤالفين، مع أنَّ زمانهم في الأكثر زمن خوف وتقيَّة وإلا لظهر عنهم أضعاف ذلك أضعافًا مضاعفة، وزمن جعفر بن محمَّد الصَّادق لمَّا كان الخوف فيه أقلَّ ـ حيث كان آخر دولة بني أميَّة وأوَّل دولة بني العبَّاس ـ ظهر عنه من العلوم ما لم يظهر عن أحد قبله ولا بعده، وإنَّما تمسَّكنا بهذه الأئمَّة الاثني عشريَّة من أهل بيت النَّبيِّ ونقلنا أحاديثنا وأصول ديننا عنهم لما ثبت عندنا من عصمتهم لوجوب كون الإمام معصومًا ليؤمن وقوع الخطأ منه ويستقيم النِّظام وتتمَّ الفائدة بنصبه كما تقرَّر في الكلام، وغيرهم ليس بمعصوم إجماعًا»(13).

فالسُّنَّة عندهم ما روي عن الإمام المعصوم ـ بزعمهم ـ بل أكثرها مرويٌّ عن أئمَّتهم لا عن النَّبيِّ ﷺ.

مع أنَّهم يروون في كتبهم أنَّ الكذب كثر عن هؤلاء المعصومين، ولا يمكن التَّمييز بين أقوالهم والأقوال المدسوسة عليهم.

فهذا الفيض بن المختار يشكو لأبي عبد الله ـ كما تقول رواياتهم ـ كثرة اختلافهم ويقول: «ما هذا الاختلاف الَّذي بين شيعتكم... إنِّي لأجلس في حِلقهم بالكوفة فأكاد أن أشكَّ في اختلافهم في حديثهم», فقال أبو عبد الله: «هو ما ذكرت يا فيض! إنَّ النَّاس أولعوا بالكذب علينا... وإنِّي أحدِّث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتَّى يتأوَّله على غير تأويله، وذلك أنَّهم لا يطلبون بحديثنا وبحبِّنا ما عند الله وإنَّما يطلبون الدُّنيا وكلٌّ يحبُّ أن يُدعى رأسًا».

وتروي كتب الشِّيعة عن جعفر الصَّادق أنَّه قال: «إنَّ لكلِّ رجل منَّا رجلًا يكذب عليه، وقال: إنَّ المغيرة بن سعيد دسَّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدِّث بها، فاتَّقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربِّنا وسنَّة نبيِّنا».

وقد اعترف المغيرة بن سعيد ـ كما تروي كتب الشِّيعة ـ بذلك حيث قال: «دسست في أخباركم أخبارًا كثيرةً تقرب من مائة ألف حديث»!!

وعن الصَّادق قال: «إنَّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذَّاب يكذب علينا فيسقُطُ صدقُنا بكذبِه».

وعن أنس أنَّه قال: «وافيت العراق فوجدت قطعة من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السَّلام ـ متوافرين فسمعت منهم وأخذت كتبهم وعرضتها من بعد على أبي الحسن الرِّضا فأنكر منها أحاديث كثيرة... وقال: «إنَّ أبا الخطَّاب كذب على أبي عبد الله، لعن الله أبا الخطَّاب، وكذلك أصحاب أبي الخطَّاب يدسُّون من هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله عليه السلام فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن»(14).

هذا بعض ما ورد عن أئمَّتهم المعصومين في زعمهم، وفيه بيان اختلاط رواياتهم برواية الكذَّابين.

فالإماميَّة لهم مصادرهم في التَّلقِّي تخالف مصادر أهل السُّنَّة، ونظرتهم إلى مصادر أهل السُّنَّة: أنَّ ما دوَّنوه من الأحاديث ليس بصحيح وهذا باعتبار تكفيرهم للصَّحابة والتَّابعين وغيرهم، وكذلك لوجود روايات عندهم تدعوهم إلى تجنُّب كلِّ ما يرد عن العامَّة، والرَّشاد في مخالفتهم، لذلك طعنوا في كلِّ ما يرويه أهل السُّنَّة إجمالًا، وطعنوا في مصادرهم ودواوينهم، بل في أصحِّ كتبهم بعد كتاب الله تعالى وهو «صحيح» الإمام أبي عبد الله محمَّد ابن إسماعيل البخاري رحمه الله.

يقول الحسين العاملي: «صحاح العامَّة كلُّها وجميع ما يروونه غير صحيح»(15).

ويقول المامقاني: «وبهذا يندفع ما يتوهَّم من عدم الفرق بين رواية من خالفناه ممَّن ذكر من كتب أحاديثنا وما رووه في كتبهم، فإنَّ الفرق بينهما واضح، وما رووه في كتبهم ملحق بالضَّعيف عندنا لصدق تعريف الضَّعيف»(16).

هذا ما قالوه في الجملة عن مصادر أهل السُّنَّة، واهتمُّوا أكثر بالطَّعن في «الصَّحيحين» خاصة «صحيح الإمام البخاري»، لذلك ألَّفوا بعض المصنَّفات في الطَّعن فيه.

قال عليُّ بن يونس العاملي النباطي (877هـ): «كتم البخاريُّ ومسلم أخبارًا جمَّةً في فضائل أهل البيت صحيحة على شرطهما».

وقال عن البخاري: «ما رأينا عند العامَّة أكثر صيتًا ولا أكثر درجة منه، فكأنَّه جيفة علت أو كلفة غشت بدرًا، كتم الحقَّ وأقصاه وأظهر الباطل وأدناه»(17).

وقد ألَّف مجموعة من الإماميَّة كتبًا في الطَّعن ونقد «الصَّحيحين»، من ذلك:

ـ «البخاري وصحيحه»، لحسين غيب غلامي.

ـ «أضواء على الصَّحيحين» لمحمَّد صادق النَّجمي.

ـ «دراسة في الحديث والمحدِّثين» لهاشم معروف الحسيني، وغيرها من الكتب.

فمصادرنا غير مصادرهم، وسنَّتنا غير سنَّتهم، فكيف يدعو أناس إلى التَّقريب بين المتباعدين بله المتضادَّين.

ومن أهمِّ كتب الشِّيعة المعتمدة في القديم والحديث «الكافي» للكليني، وهو محمَّد بن يعقوب الكليني، ويقال له الرَّازي، ويُعرف ـ أيضًا ـ بالسَّلسلي البغدادي أبو جعفر الأعور, ولد في مدينة كُلين, وهي في إيران,  وكان شيخ الشِّيعة في وقته بالرَّيِّ، اختلف في سنة وفاته، فقيل: (328هـ) وقيل: (329هـ).

قال عنه النَّجاشي: «شيخ أصحابنا في وقته بالرَّيِّ وَوجْهُهُم، وكان أوثق النَّاس في الحديث وأثبتهم».

وقال الطُّوسي: «ثقة عارف بالأخبار, وقال ابن طاووس: الشَّيخ المتَّفق على ثقته وأمانته محمَّد بن يعقوب الكليني».

وأمَّا كتابه «الكافي» فقد ذكر في المقدِّمة سبب التَّسمية والتَّأليف فقال: «وقلت إنَّك تحبُّ أن يكون عندك كتاب كافٍ يجمع من جميع فنون علم الدِّين ما يكتفي به المتعلِّم ويرجع إليه المسترشد, ويأخذ منه من يريد علم الدِّين والعمل به بالآثار الصَّحيحة عن الصَّادقين»(18).

وينقسم «الكافي» إلى ثلاثة أقسام: كتاب الرَّوضة والأصول والفروع، ويُعتبر أصحَّ الكتب عند الشِّيعة وقد مدحه وأطراه علماؤهم(19)فمن ذلك:

ـ قول النُّوري الطَّبرسي (1320هـ): «الكافي بين الكتب الأربعة كالشَّمس بين النُّجوم, وإذا تأمَّل المنصف استغنى عن ملاحظة حال آحاد رجال السَّند المودعة فيه, وتورثه الوثوق, ويحصل له الاطمئنان بصدورها وثبوتها وصحَّتها»(20).

ـ وقال الحرُّ العاملي (1104هـ): «أصحاب الكتب الأربعة وأمثالهم قد شهدوا بصحَّة أحاديث كتبهم وثبوتها ونقلها من الأصول المجمع عليها, فإن كانوا ثقات تعيَّن قبول قولهم وروايتهم ونقلهم»(21).

إلى غير ذلك من الأقوال في مدحه والثَّناء عليه.

ويذكر الشِّيعة أنَّ كتاب «الكافي» احتوى على (16199) حديثًا، ويفتخرون بأنَّ عدد أحاديثه تفوق أحاديث أهل السُّنَّة(22).

لكن يُلاحظ أنَّهم اختلفوا في عدَّة أمور حول هذا الكتاب المقدَّس عندهم:

ـ الأوَّل: نسبة كلِّ «الكافي» بأقسامه الثَّلاثة للكليني، فكتاب الرَّوضة وهو ثالث الأقسام يذكر بعض الشِّيعة أنَّه من تأليف ابن إدريس(23).

يقول عبد الرَّسول الغفاري: «كَثُرَ الحديثُ حول كتاب «الرَّوضة» عند العُلماء المتقدِّمين، فمنهم من جَعَله بين كتاب العشرة وكتاب الطَّهارة، ومنهم من جعله مصنَّفًا مستقلًّا عن «الكافي»، وقسم ثالث تردَّد في نسبته للمصنِّف؛ بل في كلمات بعض المتأخِّرين نفاه عن الكليني، ونسبه إلى ابن إدريس صاحب «السَّرائر».

قال المولى خليل القزويني: وإنَّ الرَّوضة ليس من تأليف الكليني، بل هو من تأليف ابن إدريس، وإن ساعده في الأخير بعضُ الأصحاب، ورُبَّما ينسب هذا القول الأخير إلى الشَّهيد الثَّاني، ولكن لم يثبت»(24).

الثَّاني: الاختلاف في عدد أبواب الكتاب:

ومن الأمور الخطيرة ـ أيضًا ـ اختلاف الشِّيعة في كتابهم المعتمد حول عدد أبوابه.

ذكر شيخهم الثِّقة عندهم حسين بن حيدر الكركي العاملي (1076هـ) قال: «إنَّ كتاب «الكافي» خمسون كتابًا بالأسانيد الَّتي فيه لكلِّ حديث مُتَّصل بالأئمَّة»(25).

وعلَّق عبد الرَّسول الغفاري في كتابه «الكليني والكافي» على هذا الكلام، فقال: «لا أدري هل هناك سَهْوٌ وقع من قلم النُّسَّاخ فيما أفاده العلَّامة، من أنَّ عدَّة كتب الكافي خمسون كتابًا أو هناك حقيقة أخرى؟ فإنَّ الطُّوسي في «الفهرست» ذكر أنَّ عِدَّة كتب «الكافي» ثلاثون كتابًا»(26).

ويقول شيخهم الطُّوسي في «الفهرست» (161): «كتاب «الكافي» مشتمل على ثلاثين كتابًا، أخبرنا بجميع رواياته الشَّيخ».

وقال مثله بعض علمائهم.

وذكر بحر العلوم: أنَّ عدد كتب الكافي اثنان وثلاثون كتابًا(27)، فهذا عدد آخر.

ـ الثَّالث: هل اتَّفق الشِّيعة أنَّ كلَّ ما في كتاب الكليني صحيح عندهم أم أنَّه صحيح بالجملة وفيه أحاديث لا تصحُّ، على قولين:

الأوَّل: أنَّ كلَّ ما في الكتاب صحيح، وتقدَّم أنَّ هذا قول علمائهم، بل منهم من نقل الإجماع على صحَّة كلِّ ما فيه.

ثمَّ إنَّ مؤلِّف الكتاب ـ وهو الكليني ـ, قال عن سبب تأليف كتابه للسَّائل: «وقلت إنَّك تحبُّ أن يكون عندك كتاب كافٍ يجمع من جميع فنون علم الدِّين ما يكتفي به المتعلِّم ويرجع إليه المسترشد, ويأخذ منه من يريد علم الدِّين والعمل به بالآثار الصَّحيحة عن الصَّادقين.

ولذلك قال المحقِّق النَّائيني عندهم: «إنَّ المناقشة في إسناد روايات «الكافي» حِرفة العاجز»(28).

وهذا قول الإخباريِّين كما يسمُّونهم.

وذهب بعضهم إلى أنَّ الكتب الأربعة المعتمدة صحيحة في الجملة، وفيها أحاديث لا تصحُّ، وهو قول الأصوليِّين المجتهدين عندهم(29).

وهذا القول ما قالوه إلا لما رأوا فيه من الطَّامَّات الَّتي لا تُحتمل.

يقول المامقاني: «إنَّ كونَ مجموع ما بين دفَّتي كلِّ واحد من الكتب الأربعة من حيثُ المجموعُ متواترًا ـ ممَّا لا يعتريه شكٌّ ولا شبهة، بل هي عند التَّأمُّل فوق حدِّ التَّواتر؛ ولكن هل هي متواترة بالنِّسبة إلى خصوص كلِّ حديث؟ وبعبارة أخرى: هل كلُّ حديث وكلمة بجميع حركاتها وسكناتها الإعرابيَّة والبنائيَّة، وبهذا التَّرتيب للكلمات والحروف على القطع أو لا؟ فالمعروف بين أصحابنا المجتهدين الثَّاني كما هو قضيَّة عدِّها أخبار آحاد، واعتبارهم صحَّة سندها أو ما يقوم مقام الصِّحَّة، وجُلُّ الإخباريين على الأوَّل كما يقتضيه قولهم بوجوب العمل بالعلم، وأنَّها قطعيَّة الصُّدور عن الأئمَّة»(30).

ويقول شيخ الشِّيعة وإمامهم في زمانه، جعفر النَّجفي: «والمحمَّدون الثَّلاثة كيف يعوَّل في تحصيل العلم عليهم، وبعضهم يكذِّب روايةَ بعض، ورواياتهم بعضها يضادُّ بعضًا؟! ثمَّ إنَّ كتبَهم قد اشتملت على أخبار يُقطع بكذبها؛ كأخبار التَّجسيم والتَّشبيه، وقِدَم العالم، وثبوت المكان والزَّمان»(31)!!

ولكن أصحاب الكتب الأربعة نصُّوا في مقدِّماتهم بأنَّهم لا يذكرون إلَّا الصَّحيح، فيجيب صاحب «كشف الغطاء» عن ذلك بقوله: «فلابُدَّ من تخصيص ما ذكر في المقدِّمات، أو تأويله على ضرب من المجازات، أو الحمل على العدول عمَّا فات؛ حيثُ ذكروا في تضاعيف كتبهم خلاف ما ذكروه في أوائلها»(32).

لكن هناك نصوص من أئمَّتهم تبيِّن أنَّ هذه الكتب لم تسلم من الزِّيادة و«الاختلاف والتَّباين والمنافاة والتَّضادِّ حتَّى لا يكاد يتَّفق خبر إلَّا وبإزائه ما يضادُّه، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه...»(33).

وتقدَّم النَّقل من أقوال أئمَّتهم أنَّ الشِّيعة يكذبون عليهم كثيرًا ويدوِّنون هذه الأراجيف من غير تمييز ولا غربلة!

ومن تناقضهم أنَّ أصحاب القول الثَّاني قسَّموا أحاديث «الكافي» إلى أقسام من حيث الثُّبوت، «فقالوا إنَّ عدد الضَّعيف من الرِّوايات (9485) حديثًا، والصَّحيح (5072)، الحسن (144)، والموثَّق (178)، القويِّ (302)»(34).

مع أنَّه يرى الشِّيعة بأنَّ الكتاب عُرض على إمامهم في الغيبة الصُّغرى(35).

يقول عالمهم المعاصر محمَّد صالح الحائري: «كانت منابع إطلاعات الكليني قطعيَّة الاعتبار؛ لأنَّ باب العلم واستعلام حال تلك الكتب بواسطة سفراء القائم كان مفتوحًا عليه، لكونهم معه في بلد واحد بغداد»(36).

ونجدهم يتخبَّطون في الجمع بين هذه المتناقضات المتضادَّات فيبقى الإنسان منهم حائرًا في مصدر تلقِّيه العلم؛ لأنَّهم ليسوا أهل علم وهم أجهل النَّاس بالمعقولات فضلا عن المنقولات.

يقول شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «فإنَّ الرَّافضة في الأصل ليسوا أهل علم وخبرة بطريق النَّظر والمناظرة ومعرفة الأدلَّة وما يدخل فيها من المنع والمعارضة, كما أنَّهم من أجهل النَّاس بمعرفة المنقولات والأحاديث والآثار والتَّمييز بين صحيحها وضعيفها, وإنَّما عمدتهم في المنقولات على تواريخ منقطعة الإسناد, وكثير منها من وضع المعروفين بالكذب بل وبالإلحاد, وعلماؤهم يعتمدون على نقل مثل أبي مخنف لوط بن يحيى وهشام بن محمَّد بن السَّائب وأمثالهما من المعروفين بالكذب عند أهل العلم, مع أنَّ أمثال هؤلاء هم من أجلِّ من يعتمدون عليه في النَّقل إذ كانوا يعتمدون على من هو في غاية الجهل والافتراء ممَّن لا يذكر في الكتب ولا يعرفه أهل العلم بالرِّجال»(37).

والله أعلى وأعلم, وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 



(1) «الكفاية» للخطيب (ص49).

(2) «ضياء الدِّراية الباب العاشر» (71).

(3) «الفهرست» للطُّوسي (ص2).

(4) «خاتمة تفصيل وسائل الشِّيعة» (30/ 249).

(5) «خاتمة تفصيل وسائل الشِّيعة» (30/ 260).

(6) مقصودهم بالعامَّة: أهل السُّنَّة.

(7) «خاتمة تفصيل وسائل الشِّيعة» (30/ 259).

(8) «خاتمة تفصيل وسائل الشِّيعة» (30/ 259).

(9) «خاتمة تفصيل وسائل الشِّيعة» (30/ 258).

(10) «خاتمة تفصيل وسائل الشِّيعة» (30/ 203).

(11) «خاتمة تفصيل وسائل الشِّيعة» (30/ 203).

(12) «وصول الأخيار إلى أصول الأخبار» (88).

(13) «وصول الأخيار إلى أصول الأخبار» (44).

(14) انظر النُّصوص السَّابقة في «تنقيح المقال» (1/ 174 ـ 175).

(15) «وصول الأخيار» (94).

(16) «مقباس الهداية» (1/ 168).

(17) «الصِّراط المستقيم» (3/ 226).

(18) «مقدِّمة الكافي» (24).

(19) انظر: «دروس تمهيديَّة في القواعد الرِّجالية» لمحمَّد باقر الأيروائي (ص238).

(20) «مستدرك الوسائل» للطَّبرسي (3/ 532).

(21) «وسائل الشِّيعة» (20/ 104).

(22) انظر: «دروس تمهيديَّة في القواعد الرِّجالية» (ص240).

(23) انظر: «دروس تمهيديَّة في القواعد الرِّجالية» (ص238).

(24) «الكليني والكافي» (ص386)، و«دروس تمهيديَّة في القواعد الرِّجالية» (ص238).

(25) «روضات الجنَّات» (6/ 114).

(26) «الكليني والكافي» (ص382).

(27) «الفوائد الرِّجاليَّة» (3/ 332).

(28) كتاب «الانتصار للمحقِّق النَّائيني في صحَّة الكافي» (8) لعلي أبو الحسن.

(29) انظر: «دروس تمهيديَّة في القواعد الرِّجاليَّة» (ص244).

(30) «تنقيح المقال» (1/ 181).

(31) «كشف الغطاء» (40).

(32) «كشف الغطاء» (40).

(33) «تهذيب الأحكام» لشيخ الطَّائفة الطُّوسي (1/ 2).

(34) انظر: «دروس تمهيديَّة في القواعد الرِّجالية» (ص238)، «الذَّريعة» (17/ 245 ـ 246)، النُّوري «مستدرك الوسائل» (الفائدة الرَّابعة).

(35) انظر: «دروس تمهيديَّة في القواعد الرِّجاليَّة» (ص242).

(36) «منهاج عمليٌّ للتَّقريب» ضمن كتاب «الوحدة الإسلاميَّة » (ص333).

(37) «منهاج السُّنَّة» (1/ 58).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 26»

من مقالات الكاتب