أنت هنا:دراسات وبحوث»آراء الفـقـهاء في كـفارة مَن أكل عمدا في رمضان

آراء الفـقـهاء في كـفارة مَن أكل عمدا في رمضان

  • د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 2141 مرة

 

إنَّ من الأفعالِ المُنكَرةِ الَّتي يقع فيها بعضُ المسلمين في شهرِ الله المُعَظَّمِ شهرِ الصِّيامِ والعبادةِ: الفِطرَ عمدًا بالأكلِ والشُّرب؛ شهوةً ومَلذَّةً، وانتهاكًا لحرمة هذا الشَّهر، لغلبة الهوى والشَّهوة، خاصَّةً في الأيَّامِ الشَّديدةِ الحرِّ.

ولجهل المسلمين بدينِهم يَظنُّ كثيرٌ منهم أنَّ الحُكمَ الَّذي لا خلافَ فيه هو وجوبُ الكفَّارةِ، ويُشَنِّعون على منْ لا يقول بذلك بل ويتَّهمونه بفَتحِ بابِ الفِطْرِ على الفُسَّاقِ وانتهاكِ حُرمةِ الشَّهرِ، وهو جاهِلٌ أو مُتجاهِلٌ أنَّ هذا القولَ مُعتَبَرٌ قال به أئمَّةٌ كبارٌ من أئمَّةِ الإسلامِ، ولم يفتحوا بذلك بابَ انتهاك الصِّيامِ؛ لأنَّ قولَهم أَشدُّ وأَعظَمُ من قولِ مَنْ قال بالكفَّارةِ كما سيأتي بيانُه، ولهذا السَّببِ أَردتُّ تحريرَ المسألةِ وذِكرَ مَآخذِ العُلمَاءِ في أَقوَالِهم واختِيَارَاتِهم ببَسطِ أَدلَّتِهم الَّتي اسْتَنَدُوا إليها.

***

قال ابنُ المُنذِر: «واختلفوا فيما يَجِبُ على مَنْ أَكَلَ أو شَرِبَ في نهارِ شَهرِ رمضان عامدًا.

فقال سعيدُ بنُ جُبَير، والنَّخَعِي، وابنُ سِيرين، وحمَّادُ بنُ أبي سليمان، والشَّافعي، وأحمد: عليه القضاءُ وليس عليه الكفَّارةُ.

وقال الزُّهرِي، ومالِكٌ، والثَّورِي، والأَوزَاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحابُ الرَّأي: عليه ما على المُجَامِع من الكفَّارةِ، ورُوِّينَا ذلك عن عطاءٍ، والحسن.

وقال سعيد بنُ المُسيِّب: عليه صومُ شَهرٍ.

وقد رُوِّينَا عن عطاء قولاً رابعًا وهو أنَّ عليه تحريرَ رقبةٍ، فإن لم يَجِدْ فبَدَنَةٍ، أو بقرةٍ، أو عشرين صاعًا من طعامٍ يُطعِمُهُ المساكينَ، فيمن أفطر يومًا من رمضان من غير علَّةٍ.

وفيه قولٌ خامس: وهو أنَّ عليه أن يَصُومَ اثْنَتَيْ عشر شهرًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقول: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ الله اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا[التوبة:36]، هذا قولُ ربيعةَ ابنِ أبي عبدِ الرَّحمن، وهذه حجَّةٌ(1).

وقد رُوِّينَا عن النَّخَعِي أنَّه قال: عليه صومُ ثلاثةِ آلافِ يَوْمٍ.

ورُوِّينَا عن ابنِ عبَّاس أنَّ عليه عِتقَ رقبةٍ أو صومَ شَهرٍ أو إطعامَ ثلاثين مسكينًا.

ورُوِّينَا عن عليِّ بنِ أبي طالب وعبدِ الله أنَّهما قالا: لا يَقضِهِ أبدًا وإن صام الدَّهرَ كلَّه.

قال أبو بكر: بالقول الأوَّلِ أقول»(2).

***

فمن هذا النص يتبيَّن أنَّ العلماءَ اختلفوا في حكم مَن أفطرَ في نهار رمضان بأكلٍ أو شربٍ طَائِعًا عَامِدًا، بِغَيرِ خَطَأٍ وَلاَ إكراهٍ وَلاَ نِسيَانٍ على عدَّةِ أقوال، وسأقتصر على قولين اثنين؛ لأنَّهما أشهر المذاهب في المسألة، وعند ذكر أدلَّة كلِّ قول أذكر ما استدل به كلُّ فريق دون تحديد مَن استدل بالدَّليل الخاص، فأقول وبالله التوفيق والسداد:

***

- القول الأوَّل:

أنَّ عليه الكفَّارةَ والقضاءَ، وهو قولُ الحنَفيَّةِ والمالكيَّةِ(3).

وشَرْطُ الحنفيَّة: أن يتناول ما يُتَغذَّى به عادةً وما يُتدَاوى به لإصلاح البدن.

قال السَّرخسي: «لأنَّ الكفَّارَةَ مشروعةٌ للزَّجرِ، والطِّبَاعُ السَّليمةُ تدعُو إلى تناوُلِ ما يُتغذَّى به وما يُتدَاوَى به لِمَا فيه مِن إصلاحِ البدن فتَقَعُ الحاجَةُ إلى شرعِ الزَّاجِرِ فيه، ولا تدعُو الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ إلى تَنَاوُلِ ما لا يُتَغَذَّى به ولا يُتداوى به فلا حاجَةَ لِشَرعِ الزَّاجِر فيه»(4).

- القول الثَّاني:

أنَّ المُفطرَ بغير الجماعِ عمدًا يأثم، وعليه التَّوبةُ والقضاءُ دون الكفَّارةِ.

وهو قولُ الشَّافعيَّةِ والحنابلةِ(5).

- أدلَّةُ القولِ الأوَّل:

1 ـ ما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ أَفْطَرَ في رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا فعَلَيْهِ ما عَلَى المُظَاهِرِ».

وجهُ الاستدلال: أنَّ المُظاهِرَ عليه الكفَّارةُ بنصِّ الكتاب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ[المجادلة:3-4]، فكذا على المُفطِرِ المُتعمِّدِ بنصِّ الحديث.

2 ـ حديث أبي هريرة:

في رواية مالك عن ابنِ شهاب، عَن حُمَيد ابنِ عبد الرَّحمن بنِ عَوفٍ، عن أبي هُريرة: «أنَّ رجُلاً أفطَر في رمضانَ، فأَمَرَه رسولُ الله ﷺ أن يُكَفِّرَ بعتقِ رقَبَة، أو صيامِ شهرَيْن متَتَابِعَيْن، أو إطعَامِ سِتِّينَ مِسكِينًا...» الحديث(6).

وجهُ الاستدلال منه:

أ ـ أنَّ الكفَّارةَ وَجَبَتْ على الرَّجُلِ؛ لأنَّه أَفسَدَ صَومَ رَمَضَانَ مِن غَيرِ عُذرٍ ولا سَفَرٍ، والأَكلُ والشُّربُ إفسَادٌ لصَومِ رمَضَانَ مُتعمِّدًا مِن غير عُذرٍ ولا سفرٍ فكَان إيجابُ الكَفَّارَةِ بنصِّ الحديث.

ب ـ أنَّ إفسادَ صومِ رمضان ذنبٌ، ورفعُ الذَّنبِ واجِبٌ، والكفَّارةُ تَصلُح رافِعةً له لأنَّها حسنةٌ، والأعمال الصَّالِحَاتُ رافِعةٌ للسَّيِّئاتِ، فمتى وَرَدَ الشَّرعُ في ذنب خاصٍّ بِإِيجابِ رافِع خاصٍّ، ووُجِد مِثل ذلك الذَّنبِ في موضِعٍ آخر كان ذلِك إيجابًا لذلك الرَّافعِ فيه، ويكون الحكمُ فيه ثابتًا بالنّصِّ لا بِالتَّعلِيلِ، والقِياسِ.

جـ ـ على روايةِ مالك جاء بلفظ: «أَفطَرَ» وهو يَتَنَاوَلُ المَأكُولَ وَغَيرَهُ، وَلَم يُبَيِّن السَّبَبَ المُفطِرَ، وَلَم يسأَلْهُ عَمَّا أَفطَرَ به فَدَلَّ على أَنَّ الحُكمَ لا يَختلِف.

3 ـ ما رُوِيَ عن ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: «جاء رجلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فقال: إنِّي أفطرتُ يومًا من رمضان؟ قال: «مِن غَيْرِ عُذْرٍ ولا سَفَرٍ؟» قال: نعم، قال: «بِئْسَ مَا صَنَعْتَ»، قال: فما تأمرُني؟ قال: «أَعْتِقْ رَقَبَةً».

ووَجهُ الاستدلالِ كسَابِقِه، حيث إنَّهُ سَأَلَهُ عَن حالهِ بالمرضِ والسَّفَرِ لاختِلافِ حُكمِ الحَالِ؛ وَلَم يَسأَلْهُ عمَّا أفطرَ به، فَدلَّ عَلَى أَنَّ الحُكمَ لا يَختَلِفُ، سواء كان بالجِمَاعِ أو الأكلِ والشُّربِ.

4 ـ القياسُ على المُوَاقِع في نهار رمضان؛ لأنَّ الكَفَّارةَ وجَبت للزَّجرِ عن إفسَادِ صَومِ رمَضانَ صِيانةً له في الوقت الشَّريف، فهي تصلُح زاجرةً، والحاجةُ مَسَّت إلى الزَّاجر، لِوُجُودِ الدَّاعي الطَّبيعيِّ إلى الأكلِ والشُّرب والجِمَاعِ، وهو شَهوَةُ الأَكل والشُّربِ والجِمَاعِ، وهذا في الأَكلِ وَالشُّربِ أَكثَرُ، وشَهوَةُ البَطنِ أَشَدُّ وهو يُفضِي إلى الهلاَكِ، ولهذَا رُخِّصَ فيه في المُحَرَّمَاتِ عِندَ الضَّرُورَةِ لِئَلاَّ يَهلِكَ بِخِلاَفِ الفَرجِ، فَكَانَت الحَاجَةُ إلى الزَّجرِ عَن الأَكلِ، وَالشُّربِ أَكثَرَ، فشَرعُ الزَّاجِرِ في الأكل والشُّرب من باب أولى، فالكفَّارةُ زاجِرَةٌ عن المعاوَدَةِ وماحيةٌ للسَّيِّئةِ، وجابِرَةٌ لما دَخلَ من النَّقص على العبادة، وهذا يَستَوِي فيه الأكل والوَطء.

ثمَّ إنَّ الأكلَ ممَّا تدعو إليه الطِّباعُ وتَشتَهِيه النُّفوسُ كالجِمَاعِ، وما كان من المُحرَّماتِ تَشتَهِيهِ النُّفوسُ فلا بدَّ له من زَاجِرٍ شَرعِيٍّ، والزَّواجِر إمَّا حُدودٌ وإمَّا كفَّارَاتٌ، فلمَّا لم يَكُنْ في الأكلِ في رَمضَان عمدًا حدٌّ فلا بدَّ فيه من الكفَّارة.

أيضًا: فإنَّ الكَفَّارَةَ رُتِّبَتْ عَقِبَ وَصفٍ مُناسِبٍ وَهُوَ إفسادُ الصَّومِ بِالجِمَاعِ، ولا يقتصر عليه، لأنَّ وَصفَ الإِفسَادِ الَّذِي هُوَ في الجِمَاعِ يكون في غَيرِهِ كالأكل والشُّرب، ولا يُقتَصَرُ عليه، والتَّعلِيلُ بِالعِلَّةِ العَامَّةِ أَولَى مِنَ الخَاصَّةِ لِكَثرَةِ فُرُوعِهَا، فالفطر في حديث أبي هريرة وقع بجماع لكنَّ الحكمَ ثَبتَ لكَونِه مُفطِرًا لا مُجامِعًا، وتَرتيبُ الحُكمِ على الوصف المناسب يُبيِّنُ أنَّه علَّةٌ.

³ أدلَّةُ المذهب الثَّاني:

لا تجبُ الكفَّارةُ على مَنْ أكل أو شرب في نهار رمضان عمدًا؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الكفَّارةِ إلاَّ فيما ورد به الشَّرعُ، وقد وَرَد الشَّرعُ بإيجاب الكفَّارةِ في الجماعِ، وما سِواه ليس في معناه؛ لأنَّ الجماعَ أَغْلَظُ.

ووجوب الكفَّارةِ في الجماع ثبت مَعدولاً به عن القياسِ لأنَّ وجوبَها لرَفعِ الذَّنب، والتَّوبةُ كافيةٌ لرفعِ الذَّنبِ، ولأَنَّ الكفَّارَةَ من بابِ المقَاديرِ، والقياسُ لا يَهتَدِي إلى تَعيِينِ المَقَادِيرِ، وَإِنَّمَا عُرِفَ وُجُوبُهَا بِالنَّصِّ، وَالنَّصُّ وَرَدَ في الجِمَاعِ فقط فَيُقتَصَرُ عَلَى مَورِدِ النَّصِّ.

***

- مناقشة ما استدلَّ به أصحابُ القَولِ الأوَّلِ:

1 ـ أوردوا حديث: «مَنْ أَفْطَرَ في رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ مَا عَلَى المُظَاهِرِ».

وهذا الحديثُ لا يُعرَفُ له إسنادٌ ولا أَصلٌ بهذا اللَّفظِ، وأقرَبُ ألفاظه:

ما رواه الدَّارقطني في «السُّنن» (2306، 2307) قال: حدَّثنا أبو سهل ابن زيادٍ مِن أصله ثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا يحيى بن الحمََّاني، ثنا هُشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن مجاهد، عن أبي هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر الَّذي أفطر يومًا مِن رمضان بكفَّارة الظِّهار»، قال: وثنا هُشيم، ثنا ليثٌ، عن مجاهد، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ مثلَه.

قال الدَّارقطني: «كذا في أصل أبي سهل، والمحفوظ: عن هُشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن مجاهدٍ مرسلاً، عن النَّبيِّ ﷺ، وعن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة مثله، وليثٌ ليس بالقويِّ».

قلتُ: وفيه يحيى بنُ عبدِ الحميد الحمَّاني متَّهمٌ بسرقة الحديث.

والرِّوايةُ المُرسَلَةُ أَخرَجها البيهقي في «السُّنن الكبرى» (8148) من طريق أبي جعفر مُحمَّدِ بنِ عَمرِو الرَّزَّاز، عن إسماعيل بنِ إسحاقَ به.

والحديث ضعَّفه غيرُ واحِدٍ(7).

وعلى فَرضِ صحَّةِ الرِّوايةِ إلى هُشيم، فقد خولف:

رواه جريرُ بن عبدِ الحميد، وموسى ابنُ أَعْيَن، وعبد الوارث بنُ سعيد، وابن عُليَّة أربعتهم عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة مُفسَّرًا في قصَّةِ المُوَاقِعِ على أهلِه في شهر رمضان(8).

ومثله حديث الدَّارقطني (2308) قال: ثنا عليُّ بنُ عبد الله بنِ مُبشِّر، ثنا أحمد بن سنان، ثنا يزيد بن هارون، ثنا أبو معشر، عن محمَّد بن كعب القرظيِّ، عن أبي هريرة: «أنَّ رجلاً أَكَلَ في رمضان، فأمره النَّبيُّ ﷺ أن يَعتق رقبةً، أو يَصوم شهرَيْن، أو يُطعِمَ ستِّين مسكينًا».

قال الدَّارَقُطني: «أبو مِعشرٍ هو نجيحٌ وليس بالقويِّ».

وعلى فرض صحَّتِه فيُحمَلُ على المُواقِعِ في نَهَارِ رَمضانَ؛ لأنَّ القصَّةَ واحدةٌ كما فصَّلها الرُّواةُ عن الزُّهري، عن حُمَيْدِ ابنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هريرة.

قال ابنُ تيمية: «فأمرَه النَّبيُّ ﷺ بالكفَّارة عَقيب ذلك، فهذا مُفسِّرٌ في أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما أمَرَه بالكفَّارةِ لأجل الجِماعِ، فمَنْ قال: «إنَّ رجلاً أَفطَرَ في رمضان فأمرَه النَّبيُّ ﷺ...»؛ فقد صَدَق، وإفطارُه كان بجِمَاعٍ، وترتيبُ الحُكمِ على الوَصفِ ليس من كلام النَّبيِّ ﷺ، وإنَّما المحدِّث يقول: إنَّه أفطر فأمر بكذا، وقد عُلِم أنَّ الإفطار كان بالجماع؛ فلو صرَّح المحدِّثُ بعد ذلك، وقال: إنَّما أَمرَه بالكفَّارة لمُجرَّدِ الإِفطار لم يَجِبْ قبولُ ذلك منه؛ لأنَّه رأيٌ واجتهادٌ؛ فكيف إذا دلَّ عليه كلامُه، مع إمكان أنَّه لم يقصد بذلك؟!»(9).

أمَّا حديثُ أبي هريرة من رواية مالك ومَنْ تابعه عن الزُّهري، عن حُمَيْد، عن أبي هريرة بلفظ: «أنَّ رجلاً أفطر» فهي مَروِيَّةٌ بالمعنى، وأكثر الرُّواة عن الزُّهري يَروُونَه بلفظ الجماع، والقصَّةُ واحدةٌ فيُحمَلُ المُطلَقُ على المُقيَّد.

وقد أَوْرَد الدَّراقُطني روايةَ مالِكٍ ومَن تابَعَه، ورواية من خالفه وأطال في سَردِها، وقال: «ورواه عن الزُّهري أَكثَرُ منهم عَددًا بهذا الإسناد، وقالوا فيه: إنَّ فِطرَه كان بجماع ....»(10).

وأمَّا حديثُ ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: «جاء رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: إنِّي أفطرت يومًا من رمضان ...» الحديث.

فرواه أبو يعلى في «المسند» (5725)، والطَّبراني في «الكبير» (13/164)، و«الأوسط» (8124).

وقال الطَّبراني: «لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن حبيبٍ إلاَّ هَارُونُ، تفرَّد به: الصَّبَّاحُ ابن محَارِب».

والحديثُ أعلَّه أبو حاتم وأبو زرعة والدَّارقطني بالإرسال.

قال ابنُ أبي حاتم: «سألتُ أبي وأبا زُرعةَ عن حديثٍ رواهُ الصَّبَّاح بنُ مُحارِب، عن هارونَ بن عَنترَة، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن ابنِ عمر؛ الحديث؟

قالا: هذا خطأٌ؛ إنَّما هو: حَبيب، عن طلق، عن سعيد ابن المسيِّب، عن النَّبيِّ ﷺ مرسَل»(11).

وقال الدَّارقطني: «قد اختُلِفَ فيه على حبيب ابن أبي ثابت، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فرواه هارون بن عنترة، عَن حَبِيبِ بنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابنِ عمر، ووهم فيه.

والصَّواب: عن حبيب بنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَن طَلقِ بنِ حَبِيبٍ، عن سعيد بن المُسيِّب مُرسَلاً.

وقال مهران بن أبي عمر: عن الثَّوري، عن حبيب، عَنِ ابنِ المُسَيِّبِ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ.

وَالصَّحِيحُ مُرسلاً»(12).

أمَّا قياسُهم على المُواقِع، فقد رَدَّه أصحابُ القَولِ الثَّاني بما يلي:

ـ أنَّ الصَّحابةَ لم يُلحِقُوا سائرَ المُفطِّرَات بالجِماع؛ فكان إجماعًا من الصَّحابةِ.

ـ إلحاقُ الكفَّارةِ بالأكل يحتاج إلى دليلٍ، والقياسُ ليس ظاهرًا؛ لجواز أن يكون الجماعُ قد تضمَّن وصفًا فارَق به غيرَه.

ـ أنَّ المُوجِبَ للكفَّارةِ ليس مجرَّدَ الفِطْرِ، فلو وجب لأجل الإِفطار؛ لاستوى فيه جميعُ المُفطِّرَات؛ كالقَيْءِ، والحِجَامَةِ لمن يقول بأنها تُفَطِّر، فإنَّ تخصيصَ بَعضِها دون بَعضٍ نوعُ تشريعٍ يحتاج إلى دلالةِ الشَّرعِ.

ـ أنَّ الجماعَ يفارق غيرَه بقوَّة دَاعِيه وشدَّة باعثِه؛ فإنَّه إذا هاجت شهوتُه؛ لم يَكدْ يَزَعُها وازعُ العقل ولم يَمْنَعْها حارِسُ الدِّين.

ـ أنَّ هذه الكفَّارةَ لو كانت واجبةً بالفطر؛ لكان مَن أبيح له الفِطرُ من غير قضاء؛ تجب عليه هذه الكفَّارة؛ كالشَّيخِ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ.

ـ أمَّا ترتيبُ الحُكمِ على الوصف المناسب وهو إفساد الصَّومِ بالإفطار، فليس من كلام النَّبيِّ ﷺ، وإنَّما الرَّاوي هو القائل: «أفطر فأُمر بكذا»، وقد عُلم أنَّ الإفطارَ كان بالجماع كما تقدَّم في كلام ابن تيمية رحمه الله.

***

وخلاصةُ البحث كما قال ابنُ عبدِ البرِّ المالكي رحمه الله بعد أن ذكر أقوالاً مُتعدِّدةً في المسألة: «إنَّ أقاويلَ التَّابعين بالحجازِ والعراق في هذا الباب كما تَرى لا وجه لها عند أهل الفقه والنَّظرِ وجماعةِ أهلِ الأثر، ولا دليلَ عليها ولا يُلتَفَتُ إليها لمُخَالَفَتِها للسُّنَّةِ في ذلك، وإنَّما في المسألةِ قولان؛ أحدُهما قولُ مالكٍ ومَنْ تَابَعه، والحُجَّةُ لهم مِن جهةِ الأَثرِ حديثُ ابنِ شهابٍ هذا، ومن جهة النَّظرِ أنَّ الآكلَ والشَّاربَ في القياس كالمُجامِع سواءٌ؛ لأنَّ الصَّومَ في الشَّريعةِ في وجهٍ واحدٍ شيءٌ واحدٌ، فسبيلُ نظيرِه في الحُكمِ سبيلُه، والنُّكتةُ الجامعةُ بينهما انتهاكُ حُرمةِ الشَّهرِ بما يُفسدُ الصَّوْمَ عمدًا، وقد تقدَّم أنَّ لفظَ حديث مالك في هذا الباب يَجمعُ كلَّ فطرٍ.

والقولُ الثَّاني قولُ الشَّافعي ومَن تابَعَه، والحجَّة لهم أنَّ الحديثَ وَرَدَ في المُجامِع أهلَه، وليس الآكلُ مثلَه، بدليل إجماعِهم على أنَّ المستَقِيءَ عمدًا إنَّما عليه القضاءُ، وليس عليه كفَّارةٌ، وهو مُفطِرٌ عمدًا، وكذلك مُزدَرِد الحصاة عمدًا عليه القضاءُ، وهو مُفطِرٌ مُتعَمِّدًا، وليس عليه كفَّارةٌ؛ لأنَّ الذِّمَّةَ بريئةٌ فلا يَثبُتُ فيها شيءٌ إلاَّ بيقينٍ، والآكلُ عمدًا لا يُرجَمُ ولا يُجلَدُ ولا يجب عليه غسلٌ، فليس كالمُجامِع، والكلامُ في هذه المسألة يطول وفيما لوَّحنا به كفايةٌ»(13).

***

فالَّذي يَظهَرُ أنَّ أقوى المذاهبِ قَولُ منْ قَالَ إنَّ المُفطِرَ في نهار رمضان عَمدًا تَجِبُ عليه التَّوبَةُ وقضاءُ ذلك اليوم دون الكفَّارَةِ.

وهذا لا يَدلُّ على أنَّ هذا فيه تسهيلٌ على الفُسَّاقِ لفِطرِ رَمضَانَ خاصَّةً في الأيَّامِ الشَّديدةِ الحَرِّ ثمَّ قضاؤه في غيرِها كما قد يَظُنُّه بعضُ الجُهَّال، ويصفون منْ قال بهذا القولِ واختاره أنَّه فتح بابًا لهتك شهر رمضان، وبيانه فيما يلي:

1 ـ أنَّ هذا قولُ كثيرٍ من أهل العلم، من الصَّحابةِ والتَّابِعِين والفُقَهاءِ، وقامت عليه أدلَّةٌ شرعيَّةٌ، فلا ينبغي أن يُهدَرَ.

2 ـ أنَّ مَنْ قال بعدم الكفَّارة أَوْجبَ التَّوبةَ على مُقتَرِفِ هذا الذَّنبِ والكبيرةِ العظيمةِ، ولا شكَّ أنَّ أَمرَ التَّوبةِ أَشدُّ من مُجرَّدِ الكفَّارةِ، فالكفَّارَاتُ زواجِرُ وجَوابِرُ، وقد رتَّب اللهُ تعالى على بعضِ المخالفات كفَّاراتٍ، فإن أتى بها العبدُ فقد أتى بما أَوجَبَه اللهُ عليه، فتَجبُرُ الكفَّارةُ تلك المعصيةَ.

وأمَّا الذُّنوبُ الَّتي لم يُرتَّبْ عليها كفَّاراتٌ وأَعظَمُها الشِّركُ بالله وكثير من الموبقات والكبائر، فقد يغفرها الله وقد يعذِّب عليها، فالأمر بالتَّوبةِ والنَّدمِ أشدُّ عند الله؛ إذ لا يَعلَمُ العبدُ هل تُقبَلُ توبتُه أم لا، فللتَّوبةِ شروطٌ وموانِعُ، وأساسُها الإخلاصُ والنَّدمُ، وليست كلمةً يَتلفَّظُ بها العبدُ من غير عَقدِ نيَّةٍ، فالمُفطِرُ على خَطرٍ عظيمٍ إن لم تُقبَلْ تَوبَتُه ولم يُحسِنْ في عمله.

روى ابن خزيمة في «صحيحه» (1986)، وابن حبان في «التقاسيم والأنواع» (3019) عن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِي قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلَانِ، فَأَخَذَا بِضَبْعَيَّ، فَأَتَيَا بِي جَبَلا وَعْرًا، فَقَالا: اصْعَدْ، فَقُلْتُ: إِنِّي لا أُطِيقُهُ، فَقَالا: إِنَّا سَنُسَهِّلُهُ لَكَ، فَصَعِدْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي سَوَاءِ الجَبَلِ إِذَا بِأَصْوَاتٍ شَدِيدَةٍ، قُلْتُ: مَا هَذِهِ الأَصْوَاتُ؟ قَالُوا: هَذَا عُوَاءُ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ انْطُلِقَ بِي، فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ، مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ، تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ ... » الحديث.

والحديث ذكره الشيخ الألباني في «السلسلة الصحيحة» (3951) وعلق عليه بقوله: «هذه عقوبةُ مَن صام ثم أفطَر عَمداً قبل حُلول وقتِ الإفطار، فكيف يكونُ حالُ مَن لا يَصوم أصلاً؟! نسأل اللهَ السلامة والعافية في الدنيا والآخرة».

وهذا المعنى أشار إليه كثيرٌ من السَّلفِ أنَّ المفطر عمدًا بأكل أو شرب عليه التوبة دون الكفَّارة؛ إذ هي أشدُّ.

روى البيهقي في «السَّنن الكبرى» (8145) بسندٍ فيه ضعفٌ عن ابنِ مسعود قال: «مَن أفطرَ يَومًا مِن رمَضَانَ مِن غير عِلَّةٍ لَمْ يُجْزِهِ صيامُ الدَّهرِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ ـ عزَّ وجلَّ ـ، فإِن شاءَ غفَرَ لهُ، وإِنْ شاءَ عَذَّبه».

وروى ابنُ أبي شيبة في «المُصنَّف» (9879) ـ واللفظ له ـ والبيهقي في السنن الصغرى» (1351) عن سعيد بن جُبَير في رَجُلٍ أفْطرَ يومًا من رمضانَ مُتَعمِّدًا، قال: «يَسْتَغْفِرُ اللهَ من ذَلِكَ، ويَتُوبُ إلَيهِ، وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ».

وروى سعيدُ بنُ منصور كما في «فتح الباري» لابنِ حَجرٍ (4/162) حدَّثنا هُشيم، حدَّثنا إسمَاعيلُ بنُ أَبِي خالِد عنِ الشَّعْبِيِّ في رجلٍ أَفْطَرَ يَوْمًا في رمضَان عَامِدًا، قال: «يصُومُ يومًا مكانَه ويَسْتَغْفِرُ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ».

وعَنْ إِبْرَاهِيم النَّخعيِّ: أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي يُفْطِرُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا: «يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ»(14).

والآثارُ في هذا البابِ كثيرةٌ، وفيما ذكرناه كفايةٌ واللهُ أعلى وأعلم.

 


(1) كذا في المطبوع، ولعله حجَّته. 

(2)  «الإشراف على مذاهب العلماء» (3/ 127).

(3) انظر: «التَّلقين» (1/ 189، 190)، «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» للقاضي عبد الوهَّاب (1/ 433)، «الذَّخيرة» للقرافي (2/ 518)، «التَّاج والإكليل» (3/ 361)، «مواهب الجليل» (3/ 362).

(4) «المبسوط» (3/ 139)، وانظر: «بدائع الصَّنائع» (2/ 98).

(5) انظر لقول الشَّافعيَّة: «الأمُّ» (3/ 252)، «المجموع شرح المُهذَّب» (6/ 358)، «مُغنِي المُحتاج» (1/ 648)، «التَّنبيه» للشِّيرازي (ص66)، «نهاية المطلب» (4/ 36).

ولقول الحنابلة: «الهداية» للكلوذاني (ص158)، «الكافي» (2/ 246)، و«المغني» (4/ 365) لابنِ قُدامَة، «شرح العمدة ـ كتاب الصيام» لابن تيمية (ص272)، «الشَّرح الممتع على زاد المستقنِع» لابن عثيمين (6/ 410).

(6) «الموطأ» (815).

(7) انظر: «المجموع» للنووي (6/ 361)، «كشف المشكل من حديث الصحيحين» لابن الجوزي (3/ 393)، «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (3/ 228).

58) انظر: «علل الدَّارقُطنِي» (10/ 246 ، 247)، «السُّنن الكبرى» للبيهقي (8/ 500)، «التَّمهيد» لابنِ عَبدِ البَرِّ (21/ 11).

(9) «شرح العمدة ـ كتاب الصِّيام» (ص277 ـ 278).

(10) انظُرْ هذه الرِّواياتِ في «العلل» (10/ 223 ـ 247)، و«السُّنن الكبرى» للبيهقي (8/ 478 ـ 491)، وانظر كلام ابن القيم في ترجيح رواية الأكثر المصرِّحَة بذكر الجِماع في «تهذيب السنن» (2/ 82 ـ 85)، وللحافظ ابن حجر جزء سمََّاه «نزهة الناظر والسامع في طرق حديث الصائم المجامع» مطبوع بدار البشائر الإسلامية، أورد فيه روايات هذا الحديث.

(11) «علل الحديث» (3/ 7).

(12) «العلل» (12/ 430).

(13) «التَّمهيد» (7/ 170).

(14) «الآثار» لأبي يوسف (822).