أنت هنا:فتاوى شرعية»في عدم فاعلية السَّبب الوضعي بنفسه

في عدم فاعلية السَّبب الوضعي بنفسه

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 73 مرة

 

السُّؤال:

في صفحة (39) من «الفتح المأمول» في تعريف السَّبب قلتم: «...علامة مؤثِّرة في وجود الحكم لا بذاتها»، هذا القيد إن أريد به أنَّها مؤثِّرة في وجود الحكم بجعل الله كذلك كان هذا القيد تكرارًا، فإن أريد بها أنَّها لا تؤثِّر في وجود الحكم إلاَّ إذا توفَّرت الشُّروط وانتفت الموانع فكلُّ الأسباب كذلك: الشَّرعيَّة والقدريَّة، فلا تحتاج إلى هذا القيد، وإن أريد بها شيء آخر فهو يحتاج إلى توضيح.

الجواب:

السَّببُ الشَّرعيُّ: هو الوصف الظَّاهرُ المنضبِطُ الَّذي دَلَّ السَّمع على كونه مُعَرِّفًا للحكم الشَّرعي.

وبيانه: أنَّ لله سبحانه في الزَّاني ـ مثلاً ـ حُكمين:

أحدهما تكليفي، وهو وجوب الحدِّ عليه.

والثَّاني: وضعي، وهو جعل الزِّنا سببًا لوجوب الحدِّ؛ لأنَّ الزِّنا لا يوجب الحدَّ بعينه وذاته، بل يجعل الله له سببًا، لأنًَّ وضعه علامة على الحكم التَّكليفي، والتَّكليف من الله تعالى الَّذي يكلِّف عبده بالحكم، ويضع السَّببَ الَّذي يرتبط به الحكم.

وهذه الأسباب ليست مؤثِّرة بذاتها في وجود الأحكام، بل هي معرِّفة للمسبَّبات وعلامةٌ عليها.

إذ المعلوم أنَّ الممكنات مستندة إلى الله تعالى ابتداءً عند أهل الحقِّ؛ وبين المعرِّف هو السَّبب، وبين الحكم الَّذي نِيطَ به ارتباط ظاهر.

ووجهه: أنَّ الشَّارع ربط وجودَ الحكم بوجود السَّبب، وجعل وجود السَّبب علامةً على وجود مُسبَّبه وهو الحكم، كما ربط عدمَ الحكم بعدم السَّبب، فجعل تخلُّفَ السَّببِ وانتفاءَه علامةً على تخلُّف الحكم.

قال الشَّاطبي رحمه الله: «إنَّ السَّبب غيرُ فاعلٍ بنفسه، وإنَّما وقع المسبَّب عنده لا به»(1).

وذِكر عبارة: «...لا بذاته» لا يلزم منه التَّكرار، وإنَّما يحصل به الاحتراز ممَّا تعتقده المعتزلة من أنَّ السَّبب مؤثِّر في الأحكام بذاته، بواسطة قُوَّة أودعها الله فيه، وهذا مبنيٌّ على أصلهم في مسألة التَّحسين والتَّقبيح العقليَّين، قال ابن بدران رحمه الله في «العلل الشَّرعيَّة»: «إنَّها لا توجب الحكمَ بذاتها بل بإيجاب الله تعالى، ألا يرى أنَّ الإيجاب في الخمر والكيل في البُرِّ ونحوه كان موجودًا قبل الشَّرع ولم يوجد التَّحريم والرِّبا، فلو كانت هذه الأشياء موجبة لحكمها بذاتها لما تخلَّفت عنها أحكامها في وقت ما مع زوال مانعها من التَّأثير، بخلاف العِلل العقليَّة فإنَّها موجبة لوجود معلولها كالكسر للانكسار، وسائر الأفعال مع الانفعالات، فإنَّه متى وجد الفعل القابل وانتفى المانع وجد الانفعال، بخلاف الأسباب فإنَّه لا يلزم من وجودها وجود مسبَّباتها، فَبَانَ بهذا أنَّ تأثير العلل الشَّرعيَّة وضعيٌّ لا ذاتيٌّ»(2)، والعلمُ عند اللهِ تعالى.



(1) «الموافقات» للشَّاطبي (1/ 196)، وانظر: «المستصفى» للغزالي (1/ 94)، و«الإحكام» للآمدي (1/ 118)، «البحر المحيط» للزركشي (1/ 308)، «تشنيف المسامع» للزركشي (1/ 175)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (1/ 447)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (6).

(2) «نزهة الخاطر العاطر» لابن بدران (1/ 162).