أنت هنا:فتاوى شرعية»تنبيه.. واستدراك

تنبيه.. واستدراك

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 46 مرة

 

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

ففي مَطلع صفحة «58» في ركن «فتاوى شرعيَّة» من مجلة «الإصلاح» الصادرة عن دار الفضيلة للنَّشر والتَّوزيع في عددها «10» والمؤرَّخة بـ: رجب/ شعبان 1429هـ، الموافق لـ: جويلية/ أوت 2008م، جاء في نصِّ الفتوى الثَّانية الموسومة بـ: «عدم فاعليَّة السَّبب الوضعي بنفسه» عباراتٌ مُجملة تحتاج إلى توضيحٍ وتنبيه، وأخرى مجانبةٌ للصَّواب تحتاج إلى استدراك ورجوع إلى الحقِّ.

وأحاول أن أتناول بالتَّنبيه إلى أنَّ عدم فاعليَّة السَّبب وتأثيره قد يرد بالمعنى الصَّحيح هو: كون السَّبب ليس له قدرة الانفراد بالابتداع والتَّوحيد بالاختراع، كما أنَّ السَّبب ـ من جهة أخرى ـ ليس له نوع معاونة لا في صفة من صفات الفعل ولا في وجه من وجوهه، كما يزعم كثير من المتكلِّمين(1)؛ لأنَّ السَّببَ هو في ذاته مُحدَثٌ مخلوقٌ، واللهُ ـ سبحانه وتعالى ـ هو خالقُ السَّبب والمسبَّب، فلا يجوز نسبةُ الانفراد باختراعٍ أو نوعِ معاونةٍ في صفة الفعل لغير الله تعالى، فمثل هذه الإضافة بالانفراد وبنوع معاونةٍ جديرة بالإنكار إذ لا تخرج في حكمها عن كونها شركًا دون شرك في الرُّبوبيَّة.

ومن هذا القبيل ـ أيضًا ـ يدخل نفي التَّأثير للأشياء الَّتي لم يجعلها الله تعالى أسبابًا ووسائط على المسبّبات، والقاعدة المعلومة من النُّصوص أنَّ جَعْلَ ما ليس بسببٍ سببًا شركٌ أصغرُ.

وهذه الأشياء الَّتي لم يجعلها الله أسبابًا في وقت ما قبل ورود الشَّرع لا تأثير لها بذاتها، لكن بعد ورود الشَّرع جعلها الله أسبابًا، فَرَبَطَ وجود الحكم بوجود السَّبب، وجعل وجود المسبَّب متوقِّفًا على سببه، كما ربط عدم الحكم بعدم السَّبب، فجعلَ تخلُّفَ المسبَّب متوقِّفًا على تخلُّف سببه، فتأثير صَيْرُورَةِ غيرِ السَّبب إلى سببٍ كان بالوضع لا بالذَّات، ثمَّ أصبحت أسبابًا شرعيَّةً، لا تختلف عن الأسباب القدريَّة من حيث إنَّ لها تأثيرًا لا من جهة الانفراد بالتَّأثير إليها ولا في نوع معاونة ـ كما تقدَّم ـ، وإنَّما تكمن جهة تأثيرها في خروج الفعل من العدم إلى الوجود بواسطة القدرة المحدثة المخلوقة الَّتي هي سببٌ وواسطةٌ في خلق الله تعالى الفعل بهذه القدرة، وليس في جعل السَّبب مؤثِّرًا في المسبَّب شرك؛ لأنَّ الله تعالى أضاف التَّأثير إلى القدرة المحدثة في آيات كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ[الأعراف:57]، وقوله تعالى: ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ[النمل:60]، وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ[المائدة:16]، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ[التوبة:14]، فكان الله تعالى هو المعذِّب، وجعل الأيدي أسبابًا ووسائط في لحوق العذاب إليهم، والآيات كثيرةٌ، وهو أمرٌ ظاهرٌ بالنُّصوص الشَّرعيَّة والعقل والمشاهدة.

وفي معرِض الرَّدِّ على كلام الرَّافضي عن مقالة أهل السُّنَّة في مسألة القدر يقول ابن تيميَّة رحمه الله: «والحوادث تضاف إلى خالقها باعتبار، وإلى أسبابها باعتبار، فهي من الله مخلوقةٌ له في غيره، كما أنَّ جميع حركات المخلوقات وصفاتها منه، وهي من العبد صفة قائمة به، كما أنَّ الحركة من المتحرِّك المتَّصف بها وإن كان جمادًا، فكيف إذا كان حيوانًا؟ وحينئذ فلا شركة بين الرَّبِّ وبين العبد لاختلاف جهة الإضافة، كما أنَّا إذا قلنا: هذا الولد من هذه المرأة بمعنى أنَّها ولدته، ومن الله بمعنى أنَّه خلقه لم يكن بينهما تناقض، وإذا قلنا: هذه الثَّمرة من هذه الشَّجرة، وهذا الزَّرع من الأرض بمعنى أنَّه حدث فيها، ومن الله بمعنى أنه خلقه منها لم يكن بينهما تناقض»(2).

أمَّا ذكر ما جاء من عبارة الشاطبي رحمه الله من: «أنَّ السَّبب غيرُ فاعلٍ بنفسه، وإنَّما وقع المسبّب عنده لا به»(3)، إنَّما ترتَّب سياقه في جملة القول تَبَعًا لكلام الأصوليِّين، فقد ذكرها ابن قدامة رحمه الله في «روضة النَّاظر»(4) تبعًا للغزالي رحمه الله في «المستصفى»(5)، وذكرها نجم الدِّين الطوفي رحمه الله في «شرح مختصر الرَّوضة»(6) تبعًا لابن قدامة رحمه الله، وأورد ابن بدران الدمشقي رحمه الله هذه العبارة في «المدخل إلى مذهب أحمد»(7)، تبعًا لنجم الدِّين الطوفي رحمه الله وقد توارد هذا النَّقل من غير التفات إلى ما يتضمَّنه من معنى عقدي فاسد، لذلك استوجب هذا المقام أن أستدرك بالتَّنبيه على عبارة الشَّاطبي وابن بدران ـ رحمهما الله ـ في الفتوى المذكورة، والَّتي احتوت عبارتها ضمن عموم السِّياق إنكارًا لأن تكون للأسباب أيّ تأثير على المسبَّبات، وهو مذهبُ الأشاعرة الَّذين نَحَوا منحى الجبريَّة، حيث لا يثبتون في المخلوقات قُوًى وطبائعَ، ويقولون: إنَّ الله فعل عندها لا بها، وإنَّ قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل، أي: ليس في النَّار قوَّة الإحراق لكن عند وجود النَّار يخلق الله الإحراقَ بلا تأثيرٍ من النَّار، وليس في الماء قوَّة الإغراق، وإنَّما عند وجود الماء يخلق اللهُ الإغراقَ بلا تأثيرٍ من الماء، ولا في السِّكِّين قوَّة القطع، وإنَّما عند وجود السِّكِّين يخلق الله القطعَ بلا تأثير من السِّكِّين، ولا في الماء والخبز قوَّة الرَّيِّ والتَّغذِّي به، وإنَّما عند وجود الماء والخبز يخلق الله الرَّيَّ والتَّغذيةَ بلا تأثير من الماء والخبز، ونحو ذلك ممَّا قد أجرى اللهُ العادة بخلق المسبَّبات عند وجود هذه الأسباب.

وهذا المعنى ـ بلا شكٍّ ـ طردٌ لعقيدة الجبريَّة على قاعدة: «أنَّه لا فاعلَ إلاَّ الله»، وعلى النَّقيض من هذا المذهب ما قرَّرته القدريَّة من أنَّ العبد هو الموجِد لفعله، ويضافُ إليه الانفراد بالتَّأثير، وكذا الأسباب فهي مؤثِّرة بذاتها من غير أن يكون لله تقديرٌ ومشيئةٌ، وقد بيَّنتُ سابقًا أنَّ هذه القاعدة: «لا فاعلَ إلاَّ الله» إنَّما تصدق في إضافة الانفراد بالابتداع والتَّوحيد بالاختراع ونحوه، وكذا إضافة التَّأثير إلى أسباب لم يجعلها الشَّارع أسبابًا، أمَّا الأسباب القدريَّة والشَّرعيَّة فبطلان نفي تأثيرها ظاهرٌ بالشَّرع والعقل، وأهل السُّنَّة لا ينكرونها، كما لا ينكرون تأثير القُوَى والطَّبائع في مُسبَّباتها، واللهُ تعالى خالق السَّبب والمسبَّب، وحدوث المسبَّب بالسَّبب لا عند السَّبب، فرجع الكلُّ إلى محضِ خلق الله وأمره وفضله ورحمته، وضمن هذا المعنى يقول ابن تيمية رحمه الله: «فالَّذي عليه السَّلف وأتباعهم وأئمَّة أهل السُّنَّة وجمهورُ أهل الإسلام المثبتون للقدر المخالفون للمعتزلة إثبات الأسباب، وأنَّ قدرة العبد مع فعله لها تأثيرٌ كتأثير الأسباب في مُسبَّباتها، واللهُ تعالى خلق الأسباب والمسبَّبات، والأسبابُ ليست مُستقِلَّة بالمسبَّبات، بل لا بدَّ لها من أسباب أُخَر تعاونها، ولها ـ مع ذلك ـ أضداد تمانعها، والمسبَّب لا يكون حتَّى يخلق الله جميعَ أسبابه، ويدفع عنه أضدادَه المعارضةَ له، وهو سبحانه يخلق جميعَ ذلك بمشيئته وقدرته، كما يخلق سائرَ المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب، وفعلُ العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بدَّ من الإرادة الجازمة مع القدرة، وإذا أريد بالقدرة القوَّة القائمة بالإنسان فلا بدَّ من إزالة الموانع كإزالة القيد والحبس ونحو ذلك، والصَّادِّ عن السَّبيل كالعدوِّ وغيره»(8).

فأهل السُّنَّة والجماعة ـ في هذه المسألة ـ وسط بين الجبريَّة والقدريَّة، ويدلُّ على هذه الوَسَطية ما ذكره ابن أبي العزِّ الحنفي رحمه الله حيث قال: «فكلُّ دليلٍ صحيحٍ يقيمه الجَبْرِيُّ فإنَّما يدلُّ على أنَّ الله خالقُ كلِّ شيءٍ، وأنَّه على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّ أفعال العباد من جُملة مخلوقاته، وأنَّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يدلُّ على أنَّ العبد ليس بفاعلٍ في الحقيقة ولا مُريدٍ ولا مُختارٍ، وأنَّ حركاتِه الاختياريةَ بِمَنْزلةِ المرتعش، وهبوب الرِّياح وحركة الأشجار.

وكلُّ دليلٍ صحيحٍ يقيمه القَدَرِيُّ، فإنَّما يدلُّ على أنَّ العبدَ فاعلٌ لفعله حقيقة، وأنَّه مُريدٌ له، مختارٌ له حقيقةً، وأنَّ إضافته ونسبتَه إليه إضافةُ حقٍّ، ولا يدلُّ على أنَّه غيرُ مقدورٍ لله تعالى، وأنَّه واقعٌ بغير مشيئته وقدرته.

فإذا ضممت ما مع كلِّ طائفةٍ منهما من الحقِّ إلى حقِّ الأُخرى، فإنَّما يدلُّ ذلك على ما دلَّ عليه القرآن وسائرُ كتب الله المُنَزَّلة، ومن عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال، وأنَّ العباد فاعلون لأفعالهم حقيقةً، وأنَّهم يستوجبون عليها المدح والذَّمَّ»(9).

فهدى اللهُ المؤمنين أهلَ السُّنَّة لما اختلفوا فيه من الحقِّ بإذنه، واللهُ يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على محمَّد، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.



(1) انظر: «مجموع الفتاوى»: (8/ 389).

(2) «منهاج السُّنَّة النَّبويَّة» لابن تيمية (3/ 146).

(3) «الموافقات» للشَّاطبي (1/ 196).

(4) (1/ 162).

(5) (1/ 94).

(6) (1/ 425).

(7) (169).

(8) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (8/ 487 ـ 488).

(9) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (2/ 640 ـ 641).