أنت هنا:فتاوى شرعية»ضوابط الإعلان الإشهاري

ضوابط الإعلان الإشهاري

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 48 مرة

 

3 السؤال:

ممَّا لا يخفى أنَّ الإعلام التِّجاري ـ في إطار المنافسة التِّجاريَّة ـ قد أضحى في عصرنا الحالي وسيلةً أساسيَّةً للتَّعريف بالسِّلع والبضائع والخدمات، والسُّؤال الَّذي يفرض نفسه: ما حكم تصميم الإعلانات الإشهاريَّة؟ وما حكم نشرها عبر وسائل الإعلام المرئيَّة والمسموعة، وكذا عرض اللَّوحات الإشهاريَّة في مختلف الأماكن والمحطَّات في الطُّرقات والقطارات والحافلات وغيرها؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

3 الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالإعلانات الإشهاريَّةُ سواء كانت تجاريَّةً أو غيرَ تجاريَّةٍ تدخل في قسم المعاملات والعادات، والأصل فيها الإباحة والجواز ما لم يقترن بها محظورٌ شرعيٌّ ينقل الحكمَ إلى المنع، ويمكن أن يحافظ الإعلان الإشهاري على حكم الإباحة والحِلِّ إذا ما انضبط بجُملة من الشُّروط تظهر على الوجه التَّالي:

الأوَّل: أن يكون الإعلان الإشهاريُّ مباحًا في حَدِّ ذاته، خاليًا من الدِّعايات المبتذلة الَّتي تنافي الأحكام الشَّرعيةَ، والأخلاق والقِيَمَ الإسلاميَّةَ وآدابَها، فلا يجوز تصميم الإعلانات الَّتي تحتوي على الصُّور المثيرة للغرائز والشَّهوات، كعرض جسد المرأة بما فيها من العُري والتَّبرُّج والفتنة، وعموم الأفلام الماجنة والمثيرة، ولا للنَّوادي اللَّيليَّة والحفلات المنكرة، وكتب أهل الفساد والفجور والضَّلال، ولا يجوز التَّرويج للخمر والدُّخان والمخدِّرات وغيرها، ولا لنوادي القِمار والرِّهان سواء كان رياضيًّا أو غيرَ رياضيٍّ، ويجب تجنُّبُها سواء كانت مصحوبةً بموسيقى أو خاليةً منها.

فالحاصل: أنَّ كُلَّ وسيلةٍ أبطلها الشَّرعُ وذمَّها لفسادها وإفسادها للدِّين والخُلق فهي محرَّمة، والتَّعاون عليها محرَّمٌ بنصِّ قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ[المائدة:2].

الثَّاني: أن يتحرَّى المعلِن الصِّدقَ والأمانةَ في عرض السِّلع والخدمات، فلا يصوِّر الأمر على غير حقيقته بالكذب وإخفاء العيوب، أو بالمبالغة في حجم المنتوج المراد تصميم إعلانه ونشره، أو تضخيم محاسنه للمستهلك أو الزَّبون، فالواجب أن يكون الإعلان مطابقًا لحقيقة ما يعرضه من السِّلع والمنتوجات والخدمات على وجه الصِّدق والأمانة، لوجوب التَّحلِّي بالصِّدق وهو سبب البركة، وحرمة الكذب وكتمان العيوب؛ لأنَّه عِلَّة الكساد والمَحْقِ، قال ﷺ: «المُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»(1).

الثَّالث: ومن هذا القبيل لا يجوز إشاعةُ إعلانٍ إشهاريٍّ فيه غِشٌّ وخِداع، ولا تهويل ما فيه مكرٌ وتزوير، ولا إيهام ما فيه تدليس لقوله ﷺ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَالمَكْرُ وَالخِدَاعُ فِي النَّارِ»(2)، ولقوله ﷺ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، وَلاَ يَحِلُّ لمِسُلْمٍ إِذَا بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ أَنْ لاَ يُبَيِّنَهُ»(3)، ولقوله ﷺ: «مَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ»(4).

الرَّابع: أن لا ينعكس إعلانه الإشهاري سلبًا على غيره من التُّجَّار، بحيث يحدث ضررًا بمنتوجاتهم وسلعهم بالتَّحقير لأصنافها، والتَّهوين لأوصافها، والذَّمِّ لحسنها، كلُّ ذلك لتحقيق مصالحه الماديَّة على حساب مصالح غيره من التُّجَّار، لقوله ﷺ: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارٍ»(5)، ولقوله ﷺ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»(6).

الخامس: أن يجتنب التَّغرير بالمستهلكين عن طريق استغلال التَّشابه في الاسم التِّجاري أو في العلامة التِّجارية سواء وقع التَّشابه في التَّسمية موافقة، أو تعمده بسوء نيَّته، ليبتغي من ورائها إيهام المستهلكين والزَّبائن بأنَّها هي البضائع المشهورة في الأسواق، أو المماثلة لها في الجودة والإتقان ليقع المستهلك فريسة التَّضليل والإيهام، وهو مخالف لقوله ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»(7) الحديث.

السَّادس: أن يحرص على أن يكون عقد الإعلان الإشهاري مستوفى شروط عقد الإجارة، ومن جملتها: العلم بثمن الإجارة، ومُدَّتها بين المتعاقدين، ومحلّ الإجارة منتفع به، ومقدور التَّسليم مع خلوِّ العقد من الجهالة والغَرَر.

هذا ما بان لي من ضوابط الإعلان الإشهاري قصد المحافظة على سلامة أصلِ الإباحة والجواز، والعلمُ عند اللهِ تعالى.



(1) أخرجه البخاري (1973)، ومسلم (3858)، من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه.

(2) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (567)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «السِّلسلة الصحيحة» (1058).

(3) أخرجه ابن ماجه (2246)، والحاكم في «المستدرك»: (2152)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، وأخرجه أحمد في «مسنده» (15583)، من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: (4/ 364)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (6705).

(4) أخرجه أبو داود (3657)، والحاكم في «المستدرك»: (350)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث حسّنه الألباني في «صحيح الجامع» (6068).

(5) أخرجه ابن ماجه (2340)، وأحمد في «مسنده»: (23462)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. والحديث صححه الألباني في «إرواء الغليل» (896).

(6) أخرجه البخاري (13)، ومسلم (170)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(7) أخرجه مسلم (205)، وأبو داود (4946)، والترمذي (1926)، والنسائي (4214)، وأحمد في مسنده: (17403)، من حديث تميم الداري رضي الله عنه.