أنت هنا:فتاوى شرعية»في حكم صرف الزَّكاة إلى ابنته المتزوِّجة

في حكم صرف الزَّكاة إلى ابنته المتزوِّجة

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 47 مرة

 

السُّؤال:

أنا امرأة متزوِّجة وَلِي أولاد، ووالدهم محدود الدَّخل لا يقدر على الإنفاق عليهم وتوفير ما يحتاجونه من المطعم والملبس ونحو ذلك، فهل يجوز لي أن أقبل الزَّكاة من والدي الغنيِّ؟ لأنَّه قيل لي: إنَّ والدك يجب عليه أن ينفق عليك لا أن يعطيك الزَّكاة؟

فأرشدني ـ حفظكم الله ـ إلى الجواب الَّذي أهتدي به في هذه المسألة، وجزاكم الله خيرًا.الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأصل المتقرِّر ـ فقهًا ـ أنَّ كلَّ قريبٍ سواء من جهة الأصول كالآباءِ أو الأمَّهاتِ وإن عَلَوْا، أو من جهة الفروع كالأولاد وإن نَزَلُوا؛ ممَّن يكون المزكِّي هو المسؤول عنهم في الإنفاق، لا يجوز له أن يدفع إليهم زكاته من أجل النَّفقة، وإن كانوا فقراء؛ لأنَّهم أغنياء بغناه، ودفع الزَّكاة إليهم مجلبة للمزكِّي وتحصيل النَّفع بتوفير ماله، لذلك لا تجتمع زكاة ونفقة.

ومعيارُ النَّفقة الواجبة تتلخَّص في: أنَّ كلَّ من يَرِثُه المزكِّي لو افترض موته، فإنَّه تلزمه نفقته إذا تولَّى أمره، أمَّا إذا استقلَّ بنفقته على نفسه، أو تولَّى مسؤوليَّة الإنفاق عليه إلاَّ أنَّه عاجز عن النَّفقة عليه، أو صرف الزَّكاة إليه من غير باب النَّفقة، كَسَهْمِ «الغارمين» أو «في سبيل الله» أو «ابن السَّبيل»؛ فإنَّ هذه الأحوال تخوِّل له ـ شرعًا ـ صرفَها إليهم، ودفعَها إلى أقربائه أَوْلَى ولو كان هو المسؤول عنهم في الإنفاق؛ لقوله ﷺ: «الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ وهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وصِلَةٌ»(1).

ولا يخفى أنَّ المسؤول على المرأة المتزوِّجة في الإنفاق ـ كما في السُّؤال ـ إنَّما هو زوجها لقوله تعالى: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾[البقرة:233]، وقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ الله لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾[الطلاق:7]، ولقوله ﷺ: «وَلهنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمعْرُوفِ»(2).

فإن كان الزَّوجُ صاحبُ الدَّخلِ المحدود لا يسعُه المالُ للإنفاق، ولا يكفيه راتبُه للقيام بمصارفه ومصارف عياله، فإنّ أبَا الزَّوجة الغنيَّ إنْ أعطى زكاته للزَّوج تمكينًا له للقيام بما يلزمه من النَّفقة على عياله كان حسنًا.

أمَّا إن صرفَها الأبُ إلى ابنته فإنَّها تصحُّ بالأحروية: صدقةً وصلةً ـ كما تقدَّم في الحديث ـ لعدم وجوب النَّفقة عليه، وقد روى ابن خزيمة في «صحيحه» بإسناده حديثَ عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جدِّه: أنَّ رجلاً تصدَّق على ولده بأرضٍ فردَّها إليه الميراث، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال له: «وَجَبَ أَجْرُكَ وَرَجَعَ إِلَيْكَ مُلْكُكَ»(3).

هذا، ولوالدِ الزَّوجةِ إنْ رأى عدمَ كفايةِ الزَّكاةِ المصروفة إليها، وأراد أن يكرمها بعطيَّةٍ زائدةٍ عن الزَّكاة لسدِّ مزيد حاجتها، فيجوز له ذلك، ويدخل فعله في باب الهبة والعطيَّة، ولا يُشترط عليه فيها العدلُ بين أولاده لقيام سلطان الحاجة فيها دونهم، وهم أغنياء بغناه إن كانوا تحت مسؤوليَّته في الإنفاق، والعلمُ عند اللهِ تعالى.



(1) أخرجه التِّرمذي (658)، والنَّسائي (2582)، وأحمد (15794)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الألباني في «الإرواء» (3/387).

(2) جزء من حديث جابر رضي الله عنه في صفة حجَّة النَّبيِّ ﷺ، أخرجه مسلم (2950).

(3) أخرجه ابن خزيمة (2465)، من حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الألباني في «صحيح ابن خزيمة» (2465).