أنت هنا:الكلمة الشهرية»هذه سبيلنا فماذا تنقمون؟!

هذه سبيلنا فماذا تنقمون؟!

  • جمادى الآخرة 1438 - مارس 22017
  • عز الدين رمضاني
تم قراءة المقال 3382 مرة

 

منذ أن بزغَ فجر الإسلام وخُصومُ الدِّين من المشركين ثمَّ المنافقين واليهود يقارفون الكِبر والمكر والصَّدَّ عن سبيل الله بالطَّعنِ في القرآن والنَّيل من الرَّسول ﷺ واستعداءِ السُّفهاء لإيذائه واعتراض السَّبيل الَّتي كان يدعو إليها، وظلَّت هذه الحال عبر عصورٍ تواكبُ مسيرة الدَّعوة وجَحَافِلَ الدُّعاة رغم بشائر النَّصرِ المُتتالية وانحسار مدِّ الكفَّار تارةً، ويقين أهل الإيمان بوعد الله في التَّمكينِ لهم ولدينِهم، فأتباعُ الحقِّ لابدَّ أن يمرُّوا على قنطرةِ الابتلاء، وتَعْرِض لهم كلاليب الِمحن في سَيْرهم، وهذا من علامة الإرثِ الصَّحيح والمتابعة التَّامَّة كما قال بعض السَّلف، إلاَّ أنَّهم أعظم النَّاس صبرًا ويقينًا، وعندهم من الشَّجاعة والثَّبات أضعاف ما هو عند أهل البدع والأهواء.

وما هذا التَّطاول والتَّحامل ضدَّ أهل السُّنَّة والسَّلفيِّين في هذه الأعصُر المتأخِّرة، والشَّغب عليهم؛ من رميهم بالتَّشدُّد والتزمُّت، ونبزهم بالألقابِ الكاذبةِ، والأسماءِ المنفِّرة، وتجريدهم من أدنى ما يتمسَّكون به من الحقِّ، ويتميَّزون به من حميدِ الخصال، والطَّعن عليهم في الثَّوابت الشَّرعيَّة إلاَّ محاولةٌ بئيسةٌ لجرِّ العامَّة إلى حمأة الشُّبه، ومن ثمَّ إلى مُستنقع الفتنة في الدِّين، وحَسْمِ جولات صراعٍ مُفتعلةٍ للقضاء على جُهود دعوةٍ مباركةٍ، وتأليبِ الرَّأي العامِّ عليها، والنَّيلِ من عقيدةِ ومنهج ظلاَّ عبر عقودٍ من الزَّمن، وفي أصقاعٍ مختلفةٍ من المعمورة المرجعيَّة الَّتي لا تقبلُ المساومة ولا تخضعُ للنِّقاش وإعمال الرَّأي فيها لارتباطها بالمنبعِ الأصيلِ والمورد الصَّافي: الكتاب والسُّنَّة وما أجمعَ عليه خيارُ الأمَّة من الصَّحابة والتَّابعين ومن سَلك مسلكهُم واتَّبع سبيلهم بإيمانٍ وإحسانٍ.

فمن أكبرِ الجُرم اليوم أن تُعقدَ النَّدوات ويُدعى إلى الحِوارات لا من أجل مناقشةٍ هادئةٍ أو مُناظرةٍ نزيهةٍ كما يدَّعون وجرد مسائل الخلاف وعرض وُجهات النَّظر ومناقشتها بتحرير الأقوال وتوثيق الدَّلائل، ثمَّ الحُكم على الخصم بما يوهن حجَّته ويُبطل دعاويه، وإنَّما هو لإثارة الاستفزاز واستعداء الهيئات الرَّسميَّة ودفعها إلى تبنِّي ما اصطلحوا على تسميته بـ«ترسيم محاربة السَّلفيَّة» أو اقتلاع «جذور الوهابيَّة» وتجريئها على النَّيل من دُعاتها وحُماتها، في جوٍّ من الاحتقانِ وإسرافٍ في التَّجنِّي بكلماتٍ تنضَح زورًا وألفاظ تنهشُ نهشًا تنمُّ عن عداءٍ صارخٍ ومكرٍ كبَّار، يذكِّر بماضٍ مُؤلمٍ وشنشنةٍ قديمة والتَّاريخ يُعيد نفسه يومَ قام أهلُ الطُّرق بتأسيس «جامعة اتِّحاد الزَّوايا والطُّرق» بعد أن خمد صوت «جمعيَّة علماء السُّنَّة» (الطُّرقيَّة) والبدعة رَحِمٌ مَاسَّة وكلاهما أُسِّستَا لحرب جمعيَّة العلماء السَّلفيِّين وتشويه سُمعتها ومُناوأة زعمائها المُصلحين وتخذيلِ مُحبِّيها ونبزها بـ «أنَّها جمعيَّة وهَّابيَّة وأنَّها تُريد التَّسلُّط على المساجد لتوظِّفِ فيها أتباعها الوهَّابيِّين»(1)، فما كان من علماء الجمعيَّة المغاوير إلاَّ التَّصدِّي لذلك العُدوان الآثم بقلمِ ولسانِ ودعوةِ بيان أزالَ اللَّبس المضروب على الوقائع وأذابَ الزَّيف المسبوكَ على الحقائق، فكان أوَّلهم الشَّيخ ابن باديس رحمه الله الَّذي لخَّص دعوة الشَّيخ محمَّد بن عبد الوهَّاب رحمه الله بمقولته الذَّهبيَّة وحرَّر بنبراس قلمه تلك الجُملة العصماء: «وإنَّما كانت غاية دعوة ابن عبد الوهَّاب تطهير الدِّين من كلِّ ما أحدث فيه المُحدِثون من البدعِ في الأقوال والأعمال والعقائد والرُّجوع بالمسلمين إلى الصِّراط السَّويِّ من دينهم القويم بعد انحرافهم الكثير وزيغهم المُبين»(2)، وتلاه بيان الشَّيخ الإبراهيمي في غاية ما تكون المنافحة عن الحقِّ والانتصار لأهله فقال: «ويقولون عنَّا إنَّنا وهَّابيُّون كلمةٌ كثُر تِردادُها في هذه الأيَّام الأخيرة... إنَّ العامَّة لا تعرف من مَدلول كلمة «وهَّابي» إلاَّ ما يُعرِّفها به هؤلاء الكاذبون، وما يعرف منها هؤلاء إلاَّ الاسم وأشهر خاصَّةٍ لهذا الاسم، وهي أنَّه يُذيبُ البدع كما تُذيبُ النَّار الحديد، وإنَّ العاقلَ لا يدري ممَّا يعجب: أَمِن تنفيرهم باسمٍ لا يعرف حقيقته المخاطِبُ منهم ولا المخاطَب!؟ أم من تعمُّدهم تكفير المسلم الَّذي لا يعرفونه نكاية في المسلم الَّذي يعرفونه!؟»(3)، وجاء بعده الشَّيخ السَّلفي الطيِّب العقبي رحمه الله ليُعلن بلسانٍ صارمٍ لا عيبَ فيه، وقلمٍ جريءٍ لا عَبَثَ فيه، فيقول: «إذا كانت الوهَّابيَّة الَّتي يُعيِّروننا بها هي عبادة الله وحده بما شرعه لعباده فإنَّها هي مذهبُنا ودينُنا وملَّتنا وعليها نحيا وعليها نموت ونُبعث إن شاء الله»(4)، ثمَّ ينبري لهم إمام مسجد «سيدي رمضان» أبو يعلى الزَّواوي رحمه الله ليكشف عن جهل الجاهلين ويردَّ على المتستِّرين بمذهبِ الإمام مالك رحمه الله، في مقال نُشر له في مجلَّة [«الصِّراط» العدد السَّابع (ص 80)] تحت عنوان: «وهَّابي؟»... فيقول: «ولهذا قلتُ وما زلت ولن أزالَ أقول: إنَّ المالكي الَّذي يطعنُ في الوهَّابي يَطعنُ في مالك ومذهبه من حيث يشعر أو لا يشعر أو لأنَّه جاهل أو يتجاهل»، ثمَّ يُعلن رضاه وإعجابه بكتابات ابن عبد الوهَّاب فيقول: «وعليه فأهلُ العلم عمومًا وأهل الإسلام قاطبةً يعلمون أنَّ الوهَّابيِّين حنبليُّون من أهل السُّنَّة والجماعة ومن المذاهبِ الأربعة المُجمع عليها والشَّيخ محمَّد بن عبد الوهَّاب مجدِّد مذهب الإمام أحمد مع ترجيح مذهب السَّلف، وكتابه في العقيدة التَّوحيديَّة (يقصد الثَّلاثة الأصول) يُباع بمكتبة «رودوسي» بمدينة الجزائر ولا يستطيع سنِّي أن يردَّ فيه كلمة ولا نصف كلمة وأنَّ الوهَّابيِّين بإجماعِ الأمَّة مسلمون سنيُّون من أهل القبلة»(5).

هذه الرُّدود وغيرها كثيرٌ الَّتي سطَّرتها أناملُ ذلك الجيلِ الفَريد من رجال الجمعيَّة وهي في مجلاَّتهم وجرائدهم، مؤرَّخة ومعنونة، ومنشورة ومحفوظة، رُقِّمَت احتسابًا وإبراءً للذِّمَّة، ونُصرةً للحقِّ وتخذيلاً للباطل لا انتقامًا ونِكايةً، ليُعيدَ إلى أذهاننا حجم المعاناة والمُضايقات الَّتي اعترضت سبيلَ هؤلاء المُصلحين والكيدِ المُضمر من قِبل جماعات الطُّرق المرفوقين بحشدٍ من الأتباع والأنصار غَلب عليهم الجهلُ وتسلَّط عليهم التَّوجيه الضَّال فآمنوا بالدَّجل والتَّضليل وهم يحسبونه الخلاص المُنجي لهم من اللَّوم والتَّبعات.

وما أشبهَ اليوم بالبارحة، فهذا التَّصعيد غير المسبوق في مواجهة دعوة الحقِّ الَّتي ترعاهُ بعضُ القنواتِ والمُنتديات وتشهِّر به الصُّحف والجرائد بعناوين مُلفتة وجذَّابة، وصخبٍ إعلاميٍّ يُفصح عن عداوةٍ متمكِّنة من الفجور في الخصومة واستمراء الكذب مع ابتذال الأسلوب وإقحام لغة الإرهاب من التَّجريم والمحاربة وسلِّ سيف الحجَّاج في التَّعامل مع مسائل وقضايا هي من رَحِم العلم وشؤون الدَّعوة لَيُنْبِئُ عن خواء جِراب القوم من العلم، وعجزٍ في مقارعة الحجَّة بالحجَّة وانحرافٍ عن جادَّة النَّقد وتنكُّب سبيل العدل والحق، وإلاَّ فأين التثبُّت في النَّقل؟ وأين الأدلَّة على تلك الدَّعاوى والأقاويل؟ ولِمَ هذا الإسراف في النَّقد؟ ولِمَ يُشغَّب بالمغمور على المشهور ويحتجُّ بالأغرب على الأغلب؟ مع أنَّ كتابات المُصلحين قديمًا وأهل الإصلاح حديثًا، ومساجلاتهم العلميَّة مطبوعة متداولة، ومواقفهم واضحة وثابتة، وأصولهم معلومة، فهلاَّ حاكمتموهم إليها وأنصفتم في نسبة الأقوال إليهم، حتَّى وإن عجزتم في الردِّ عليها، أم صار الطَّعن في السَّلفيَّة حِمًى مستباحًا واهتمامًا راتبًا وقضيَّة مألوفة ومُوضة عصريَّة، الغرض منه هو استعداءُ النَّاس وتنفيرهم وتجريمُ الدَّعوة السَّلفيَّة وتحميلها أوزار المفسدين وشناعات المُبطلين من الطَّوائف الضَّالَّة وما وضعوه من التَّفسيرات المُنحرفة والتَّأويلات المتعسِّفة، ولكن هيهات أن يكتسحَ الظَّلام الضِّياء فلا يعود لنوره المألوف، وأن يلجم سيف الباطل لسانَ الحقِّ فلا يرفع رأسًا ولا يدفع بأسًا، وإنَّما هي السُّنن ليحيى من حيي عن بيِّنة ويهلك من هلك عن بيِّنة: ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَالله لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين[آل عمران:140].

اللَّهمَّ أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّه محمَّد وآله وصحبه.

¨¨¨

 



(1) «آثار الإبراهيمي» (3 /349).

(2) «آثار ابن باديس» (5 /32).

(3) «الآثار» (1 /123).

(4) «الشِّهاب» (101 /621).

(5) «البصائر» العدد (167/ ص6).