أنت هنا:الكلمة الشهرية»كيف يسترجع المسجد الأقصى ؟

كيف يسترجع المسجد الأقصى ؟

  • ربيع الثاني 1439 - جانفي 2017
  • عمر الحاج مسعود
تم قراءة المقال 1904 مرة

 

إنَّ قضيةَ القُدسِ وفِلسطينَ هي قضيةُ المسلمين جميعا؛ عربًا وعجما، حُكَّاما ومحكومين، فأرضُ فلسطين بارك الله فيها، وجعل فيها مسجدا مباركا، وهو المسجد الأقصى، ثاني المساجد بناءً على وجه الأرض؛ تحقيقا لعبادة الله وحده لا شريك له، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تُشَدُّ إليها الرِّحال، كما أخبر بذلك النبيُّ المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]، وقال عن نبيه إبراهيم ـ عليه السلام ـ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 71] وهي أرض الشام وفلسطين التي فيها المسجد الأقصى.

إنّ كلَّ مسلم له غيرةٌ على دين الله وشعائرِه وعلى حرمات المسلمين يفرحُ بتطهيره من أيدي اليهود الغاصبين المعتدين، ويسأل ربَّه سبحانه وتعالى ذلك، ويسعى له بكلِّ ما هو مشروع وبحسَب استطاعته.

إنَّ هذا الأمر الجليل يكون بأسباب أهمُّها:

أولا: تحقيقُ التوحيد الخالص والإيمان الصادق والعمل الصالح، وإخلاصُ العبادة، قال الله ـ عز وجل ـ: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة النور]، فأهلُ الإيمان والعمل الصالح يُمَكِّنُ الله لهم في الأرض وينصرُهم على عدوِّهم، وقال عز وجل: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [سورة الحج]، فمن أعظم الأعمال الصالحة ـ بعد التوحيد ـ التي ينبغي أن يحققها من يريد النصر إقامُ الصلاة وإيتاءُ الزكاة.

وقد أوجب الله على نفسه نصرَ المؤمنين الصادقين في هذه الدنيا وفي الآخرة، فقال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51]، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ﴾ [سورة الصافات].

فلا سبيلَ إلى تطهيرِ المسجد الأقصى وتخليصِه من أيدي أولئك الشرذمة الظالمين إلَّا بالإخلاص والإيمان والتقوى والعمل الصالح والاستغفار والتوبة النصوح، ﴿والعاقبة للمتقين﴾.

ثانيا: الدُّعاء الخالص والتَّضرع الصادق لله تعالى، فالنَّصر يطلب من عنده وحده، قال تعالى: ﴿ومَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ الله العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 126]، وقال: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكِّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160]، فالمؤمنون ـ مع إعدادهم القوة المادية ـ يستعينون بالله ويتوكلون عليه ويفوِّضون أمرهم إليه، ويسألونه النصر على اليهود وسائر الأعداء، ويحقِّقون شروطَ الإجابة ويجتنبون موانعَها، والله حسْبُهم وكافيهم وناصرُهم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].

إن الدعاء عبادةُ الموحِّدين وسلاحُ المؤمنين وعُدَّةُ المستضعفين ووقايةٌ من شر الكافرين، فمن ابتهالات المؤمنين ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286]، ولما برز طالوتُ وأتباعُه لجالوت وجنوده استغاثوا ربَّهم وقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ الله وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ [سورة البقرة]، وكذلك هذا سلاح الأنبياء والرِّبِّيِّين، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ  وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران].

وهذا كثير عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، يستغيث ربَّه ويستنصره، روى مسلم (1763) عن عُمَر بن الخَطَّابِ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى المُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ القِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ...»، ومن دعائه ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ يومَ أحد: «اللهُمَّ قَاتِلِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَل عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ، اللهُمَّ قَاتِلِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ، إِلَهَ الحَقِّ» رواه أحمد (15492)، وقال في قنوته على الكفار: « اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِى يُوسُفَ» رواه البخاري (1006)، ومسلم (675)، وقَالَ في بعض غزواته: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ»، رواه البخاريُّ (2965)، ومسلم (1742).

وكلُّ ما سبق يدُلُّ على أهمية الدعاء عند مواجهة العدو، وأنَّه قوَّةٌ معنويَّةٌ لا يستغني عنها مسلم يتوخّى النَّصر على الأعداء.

ومن أفضلِه وأحراه بالقَبول دعاءُ الضُّعفاء الذين يُحتقَرون ولا يُلتَفَت إليهم، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إِنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِها، بِدَعْوَتِهِم وَصَلاَتِهِم وَإِخْلاَصِهِم»، رواه البخاري (2896)، والنسائي (3178) واللفظ له، وعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: قَالَ رَسُولُ الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، مِنْهُمُ البَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ»، رواه الترمذي (3854)، وصححه الألباني، وأخرجه الحاكم (3/ 291) وصححه، ووافقه الذهبي، وزاد: «فَإِنَّ البَرَاءَ لَقِيَ زَحْفًا مِنَ المُشْرِكِينَ وَقَدْ أَوْجَعَ المُشْرِكُونَ فِي المُسْلِمِينَ... فَقَالُوا لَهُ: يَا بَرَاءُ أَقْسِمْ عَلَى رَبِّكَ، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَبِّ لَمَا مَنَحْتَنَا أَكْتَافَهُم، وَأَلحَقْتَنِي بِنَبِيِّكَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ، فَمُنِحُوا أَكْتَافَهُمْ، وَقُتِلَ البَرَاءُ شَهِيدًا».

قالَ الأَصْمَعِيُّ: لَمَّا صَافَّ قُتَيْبَةُ بنُ مسلِمٍ لِلتُّرك وَهالَه أَمرُهم، سَألَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ وَاسِعٍ، فَقِيلَ: هو ذَاكَ فِي المَيْمَنَةِ، جَامحٌ عَلَى قَوسِهِ، يُبصبصُ بِأُصْبُعِهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، قَالَ: تِلكَ الأُصْبُعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مائَةِ أَلفِ سَيْفٍ شَهِيرٍ وشَابٍّ طرِيرٍ. [«السير» (6/ 121)].

ثالثا: اجتماع كلمة المسلمين حكاما ومحكومين على الحق المبين، ومقاتلة أعدائهم إعلاءً لكلمة الله ونُصرةً للمسلمين ودفعًا لكيد الظالمين المعتدين، قال الله ـ عز وجل ـ: ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36]، ومعنى الآية: كما يقاتلونكم مجتمعين فينبغي أن تقاتلوهم مجتمعين، فالاجتماعُ والتآلفُ على الحقِّ رحمةٌ وسعادةٌ وقوَّةٌ ونصرٌ، والاختلافُ والتَّنازُعُ عذابٌ وشقاءٌ وفشلٌ وهزيمةٌ، قال الله ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الأنفال]، ﴿رِيحُكُمْ﴾ أي: قوّتكم، قال الشعبي رحمه الله: ما تنازعت أمّةٌ بعد نبيّها إلَّا ظهرَ أهلُ باطلهم على أهلِ حقّهم.

إنَّ أعداءَنا يحرصون كلَّ الحرص على شقِّ عصانا وتفريقِ كلمتِنا، ويجتهدون كلَّ الاجتهاد في زرع أسبابِ الفتنة والتنازع في صفوفِنا ليتمكّنوا من رقابِنا، ويستحِلُّوا محارمَنا ويَنهَبوا خيراتِنا، وليَشتغلَ بعضُنا ببعض، ونغفُلَ عن كيدِهم وشرِّهم، وقد حذرنا الله منهم، فقال: ﴿إِنَّ الكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [النساء: 101]، وقال: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ [التوبة: 47]، ﴿ولأوضعوا خلالكم﴾ أي: ولأسرعوا فيما بينكم بالفتنةِ والتَّفريق وإفساد ذاتِ البين والمشْيِ بالنَّميمةِ وإيقاعِ العداوةِ والبغضاء، وهذا عام في جميع الأحوال، وليس خاصا بحال خروجهم معهم.

رابعا: إعدادُ الرجّال الصادقين الذين يُضحّون بالغالي والنفيس في سبيل دينهم، وتحريرِ أرضهم وأوطانهم، والدفاعِ عن حرمات إخوانهم، وتربيتُهم على الإيمان والتقوى والخوف من الله، والصدق والوفاء والأمانة والقوة والحزم والشجاعة، وحبِّ الآخرة والزهدِ في الدنيا والرغبةِ فيما عند الله، الرجال الذين لا تغرّهم الحياة الدنيا والأموال والمناصب، ولا يتَّجِرون بدينهم وأخلاقهم وقضايا أمّتِهم، قال الله ـ عز وجل ـ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]، وقال: ﴿رِجَالٌ لا تُلهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور: 37].

خامسا: إعدادُ القوّة الماديّة المتنوِّعة اللَّازمة لمواجهتهم، وبذلُ الأموال في سبيل ذلك، قال الله ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَل أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الصف]، والذي يؤسف له أن المسلمين اليومَ  غفلوا عن هذا الأمر، واشتغلوا باللّعب واللهو، وبذَّروا أمولهم في الغناء والرياضة الضارّة، وأهدروا أوقاتهم وجهودهم في السفاسف والشهوات الفانية، وأما أعداؤنا فإنّهم يحرصون على العلوم والصناعات وأسباب القوّة والتطوّر، ويخطِّطون لاستعمارنا ومسخ شخصيتنا.

قال الإبراهيمي (3/ 441): «فأعَدُّوا لتحقيقه ـ أي إنشاء وطن لليهود ـ المال، وأعدُّوا الرجال، وأعدّوا الأعمال؛ واتخذوا من الوقت سلاحًا فلم يضيعوا منه دقيقة، واستعانوا بنا علينا... فاكتسبوا من ضعفنا قوة، ومن جهلنا قوة، ومن تخاذلنا قوة، ومن غفلتنا قوة، ومن أقوالنا الجوفاء قوة، وأصبحت هذه القوّات كلها ظهيرًا لهم علينا».

سادسا: التوبةُ من الذنوب والحذرُ منها، لأنَّها سببُ الشقاء والهزيمة والخذلان، قال الله ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]، ومن جملة المصائب التي يبُتلى بها العبادُ بسببِ ذنوبِهم تسليطُ الأعداء، قال سبحانه لخير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلتُم أَنَّى هذا قُل هُوَ مِن عِند أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165]، وهذه الآية نزلت في حوادث غزوة أُحد، قُتل سبعون من الصَّحابة وعلى رأسهم سيّدُ الشهداء حمزة رضي الله عنهم، فقال المسلمون من أين جاءتنا هذه المصيبة، ونحن الذين انتصرنا على المشركين في غزوة بدر، وأظهرَنا الله عليهم، فقال عزّ وجلّ: ﴿قُل هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: بسبب أعمالكم ومخالفة الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين أمرهم أن لا يَبْرحوا من مكانهم.

فالعقلاءُ يضعون نُصبَ أعينِهم قولَه تعالى ﴿قُل هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ حتى يحذروا ذنوبهم ويتوبوا منها.

قال القرطبي في «تفسيره» (3/ 255): «لَكِنِ الأَعْمَالُ القَبِيحَةُ وَالنِّيَّاتُ الفَاسِدَةُ مَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَنْكَسِرَ العَدَدُ الكَبِيرُ مِنَّا قُدَّامَ اليَسِيرِ مِنَ العَدُوِّ كَمَا شَاهَدْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَذَلِكَ بما كسبت أيدينا... فَالأَعْمَالُ فَاسِدَةٌ وَالضُّعَفَاءُ مُهْمَلُونَ وَالصَّبْرُ قَلِيلٌ وَالِاعْتِمَادُ ضَعِيفٌ وَالتَّقْوَى زَائِلَةٌ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا الله﴾ [آل عمران: 200]، وَقَالَ: ﴿وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: 23] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]، وَقَالَ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ الله مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: 40]، وَقَالَ: ﴿إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا الله كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]، فَهَذِهِ أَسْبَابُ النَّصْرِ وَشُرُوطُه، وَهِيَ مَعْدُومَةٌ عِنْدَنَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِينَا، فَإِنَّا لِله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى مَا أَصَابَنَا وَحَلَّ بِنَا! بَل لَمْ يَبْقَ مِنَ الإِسْلَامِ إِلَّا ذِكْرُهُ، وَلَا مِنَ الدِّينِ إِلَّا رَسْمُهُ،  لِظُهُورِ الفَسَادِ وَلِكَثْرَةِ الطُّغْيَانِ وَقِلَّةِ الرَّشَادِ حَتَّى اسْتَوْلَى العَدُوُّ شَرْقًا وَغَرْبًا بَرًّا وَبَحْرًا، وَعَمَّتِ الفِتَنُ وَعَظُمَتِ المِحَنُ وَلَا عَاصِمَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ».

ولما علم أولياء الله من الأنبياء وأتباعهم أن النصر من عند الله وأن العدوَّ إنما يسلَّط عليهم بذنوبهم وتفريطهم في حق ربهم أو تجاوز لحد من حدوده، قدّموا سؤال المغفرة على النَّصر، فقالوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 147].

وعليه، فإنَّ تسليطَ اليهود وغيرِهم على المسلمين إنَّما هو بسبب أعمالهم الفاسدة ومعاملاتهم القبيحة وأخلاقهم السيِّئة، قال أبو الدرداء ـ رضي الله عنه ـ: «إنّما تقاتلون بأعمالكم»، علّقه البخاري في كتاب الجهاد ووصله ابن المبارك في «كتاب الجهاد» (5)، فأعمال العباد جندٌ لهم أو عليهم، وهي سبب للنَّصر أو للهزيمة.

ومن المعاصي التي يُسلَّطُ بها الأعداء نقضُ عهد الله وعهد رسوله، كما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «ولم ينقُضوا عهدَ الله وعهدَ رسولِه إلا سلَّط اللهُ عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعضَ ما في أيديهم»، رواه ابن ماجه (4019)، ومن ذلك الاشتغال بالدنيا وملذّاتها والتكاثر بها والاطمئنان إليها وترك الجهاد الشرعي، روى أبو داود (3462) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: سمعتُ رسولَ الله ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ يقول: «إذا تبايعتُم بالعِينَةِ وأخذتم أذنابَ البقرِ ورضيتُم بالزَّرْع، وتركتُم الجهادَ، سَلَّط اللهُ عليكم ذُلًّا لا ينزِعُه حتى تَرجِعُوا إلى دينكم».

فالذُلُّ الذي ضُرِب على المسلمين في هذه الأزمنة المتأخرة لا يُرفَعُ إلَّا بالتَّوبةِ النَّصوح والرّجوعِ إلى الدين الصحيح الذي أنزله الله، والاستمساكِ به والجهادِ في سبيله.

سادسا: محاربة اليهود إعلاءً لكلمة الله ونُصرةً لدينه واسترجاعًا للمسجد الأقصى، ليتمكن جميعُ المسلمين من الصلاةِ فيه وشدِّ الرِّحال إليه، ولا يقاتَلون لقومية عربية أو لحمية جاهلية أو لغرض دنيويّ، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190]، وروى البخاري (7458) ومسلم (1904) عن أَبِي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فَقَال: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً ، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ الله؟  قَال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليَا فَهوَ فِي سَبِيلِ الله».

إن اليهود لا يُخرجهم من أرض فلسطين إلاّ أهلُ الإيمان والطاعة والسنة، أتباع محمّد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأصحابه، الذين يجاهدون لإعلاءِ كلمة الله وإظهار دينه وتطهير الأرض المباركة من رِجس المغضوب عليهم وخبثهم، فمعركتُنا معهم معركةُ دين وعقيدة قبل أن تكون معركةَ أرض وثروة، معركة بين التوحيد والشرك وبين القرآن والتَّلمود.

قال عبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة: «وَمَا نُقَاتِلُ العَدُوَّ بِعُدَّةٍ وَلَا قُوَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللهُ بِهِ» [«الحلية» (1/ 119)].

ونحن على يقين أن فلسطين ستُحرَّر وتعود إلى حظيرة المسلمين، وأن دولة اليهود ستضعف وتزول قبل نزول عيسى عليه السلام وقتلِه الدَّجّالَ، روى أحمد (23814) بسند صحيح، أنَّ رَسُولَ الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قال: «لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ كَلِمَةَ الإِسْلَامِ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلِّ ذَلِيلٍ، إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللهُ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ لَهَا» يعني الجزية، فهذا من الأدلة على أن فلسطين سيعود فيها حكم الإسلام، وهذا يعني أن اليهود سيُطرَدون منها.

وقال: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ فَيَقْتُلُهُمُ المُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ اليَهُوديُّ مِنْ وَرَاءِ الحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ الله: هَذَا يَهُودِيٌّ خَلفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلهُ، إِلاَّ الغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ اليَهُودِ» رواه البخاري (2926)، ومسلم (2922)، هذه هي المعركة الفاصلة بين المسلمين وبين اليهود، عند نزول عيسى ـ عليه السلام ـ، يتكلم الحجر أو الشجر ويقول ـ حقيقة لا مجازًا ـ: «يا مسلم يا عبد الله»، يناديه بهذين الوصفين الكريمين، ولا يقول له: يا عربيّ يا فلسطينيّ.

فنسأل الله جلّ وعلا أن يُصلح حالنا وحال جميع المسلمين، وأن يردنا  إلى دينه ردا جميلا، وأن يرفع عنا هذه الغمة التي نحن فيها، ونسأله عزّ وجلّ أن يُطهّر أرض فلسطين والمسجد الأقصى من أيدي اليهود الغاصبين، وأن يُنزل عليهم بأسه الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين، وهو مولانا فنعم المولى ونعم النصير.