أنت هنا:الكلمة الشهرية»التعصب المقيت

التعصب المقيت

  • شوال 1440 ـ جوان 2019
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 1206 مرة

 

إنَّ من الأدواء المستَعصية التي عانى منها المصلحون داء التَّعصُّب للمشايخ والأفكار والمذاهب، وهُو مرضٌ فتَّاكٌ، يُشيعُ الجهلَ والتَّقليد، ويُنفِّر منَ العِلم وأهله، ويصدُّ عن معرفة الحقِّ بأدلَّتِه، ويُبعدُ عن الله ورسُوله؛ فهُو شعارُ أعداء الأنبيَاء ومفزَعُهم في ردِّ الحقِّ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا[المائدة:104]، وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ الله قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا[لقمان:21]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُون[الزُّخرُف:23].

فأعرَضَ المتعصِّبُون الأُوَل أعداء الرُّسُل عن دلائل التَّوحيد الواضحة وتمسَّكوا بمورُوث آبائهم وهُو الكفرُ المُنافي للعَقل والفِطرة، بحجَّة أنَّه لو كانَ حقًّا لجاءنا عن طَريق آبائنا، وهي حجَّةٌ يعتَمدُها كلُّ متعصِّب عاجز، وعلى هذَا المنوال سَار المتَعصِّبون من هذه الأمَّة لأئمَّة مذاهبهم وعلمائهم فلا يقبَلون حقًّا إذا لم يأتِهم عن طريقِهم، فلا يخرجُ أحدُهُم عن المذهَب ولو ثبتت السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة بخلافه، وقَد بلغَ الغلوُّ بأحدهم أن قال: «كلُّ آية أو حديثٍ يخالفُ ما عليه أصحابُنا فهُو مُؤَوَّلٌ أو ضعيفٌ»، وهذَا التَّعصُّب المقيتُ أضرَّ بأهل الإسلام كثيرًا حيثُ أضعَفَ قوَّتهم ومزَّقَهُم، وتفرَّع منه القولُ بسدِّ باب الاجتهاد، فطَغى الجمُودُ على العقُول.

وبعدما كنَّا نظنُّ أنَّه قُضي على هذَا النَّوع منَ التَّعصُّب الذَّميم ولم يبقَ له أثَر، ظهَرت نابتةٌ ينتَسبُون إلى السَّلفيَّة ظاهرًا إلاَّ أنَّهم يتعصَّبون لأشياخِهم إلى حدِّ التَّقديس، بحيثُ سُمع بعضُهُم يقُول: «أنا معَ الشَّيخ فُلان ولو كانَ مخطئًا»، فمثلُ هذَا السَّفَه لا يصدُر إلاَّ من خلفيٍّ جاهل، ومَن رضيَ بهذا التَّعصُّب في أتباعه كان خائنًا لهم غير ناصح.

إنَّ التَّعصُّبَ للأشياخ والمعلِّمين فيما ظهر فيه خطؤُهم وبان، ونبَّه عليه العُلماء ذوو الشَّان بالحجَّة والبُرهان، دليلٌ على اتِّباع الهوى والتَّقليد الأعمى، والمتَّعصِّبُ عبءٌ ثقيلٌ على أمَّته لا يزيدُها إلاَّ وهنًا وتفرُّقًا؛ قال ابن القيِّم في «زاد المعاد» (2/ 431): «التَّعَصُّبُ للمذَاهبِ، والطَّرَائِقِ، والمشايخِ، وتفْضِيلُ بعضِها علَى بعضٍ بالهوَى والعصَبيَّة، وكونُه مُنتَسِبًا إليه، فيدْعُو إلى ذلكَ ويُوَالي عليهِ، ويُعادِي عليهِ، ويزِنُ النَّاسَ به، كلُّ هذَا مِن دعوَى الجاهليَّةِ».

وأمَّا أهل السُّنَّة فليسَ لهم متبُوعٌ يتعصَّبون له إلاَّ رسول الله ﷺ، فالسَّعيدُ مَن انتَهج طريقَهم، وزهِد في التَّعصُّب للرِّجال، ووقفَ مع الحجَّة والاستدلال.

 

* نشر في مجلة الإصلاخ «العدد 61»