أنت هنا:قضايا منهجية»التغيير المطلوب

التغيير المطلوب

  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 663 مرة

 

ها هي مجلَّة «الإصلاح» تستقبل عامَها الخامس، وأوطانٌ عربيَّةٌ إسلاميَّةٌ  تستفيقُ على وقع أحداث متتابعة متَسارعة كأمواج البَحر المتلاطمَة، وانتفاضات (شبابيَّة)، وثورات شعوب على حكَّامها، رافعة شعار التَّغيير، وقد يُوافق ذلكَ مجرى السُّنن الكونيَّة من النِّهاية الوخيمة والعاقبة السَّيئة للظُّلم  والجور والاستبداد، لكن هذا لا يسوِّغ الخروج في هذه الثَّورات العارمة، والمظاهرات الحاشدة؛ لأنَّها ليسَت مِن أساليبِ الشَّريعة في المناصحة، ولا من طرائق تَغيير المنكر، ودفع الظُّلم ودَرئه، كما قرَّره العلماء المحقِّقون من أهل السُّنَّة والجماعة.

إنَّ منَ المعلوم قطعًا أنَّ تغيير الأحوال بيد الله تعالى وحدَه، يصرِّف الأمُور وفقَ مشيئتِه وإرادتِه، يعزُّ ويذلُّ، ويرفع ويضع، ويؤتي الملك مَن يشاء وينزعُه ممَّن يشاء، لكن الله جعلَ لهذا التَّغيير سنَّةً كونيَّةً، فلا تتحوَّل الأمَّة من حال الضِّيق والضَّنك إلى حال السَّعة والعزِّ والنِّعمة والمَنعة ونحوها، إلاَّ إذا أحدث أفرادُها التَّغيير في أنفُسِهم، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ؛ فليس منَ الحكمَة أن يعيشَ أحدٌ عمرًا طويلاً لا يسأمُ فيه منَ المطالبة باستِبدال حاكم أو تغيير حكومَةٍ، ولا يلتفتُ يومًا إلى نفسِه يعاتبُها ويلومُها، ويغيِّر ما بها من سُوءٍ ويطهِّرها ممَّا علق بها من شرور، ويُصلح ما بينَه وبين ربِّه سبحانه.

وقد علَّمنا التَّاريخ أنَّ هذه الثَّورات قَد تحملُ معَها رياح التَّغيير، فأطيحت أنظمة، وأسقطت دول، وقام على أنقاضها دولٌ بإيديولجيَّات وضعيَّة، وفلسفات لائكيَّةٍ، ونُظم علمانيَّةٍ غيَّبت الدِّين تغييبًا؛ إلاَّ أنَّها لم تحقِّق للنَّاس ما كانوا يؤمِّلون، وخابت معها الظُّنون.  

إنَّ الَّذي دعا إليه الأنبياء والرُّسل ـ عليهم السَّلام ـ وعلى رأسِهم خاتم النَّبيِّين ﷺ، هو التَّغيير النَّافع لكلِّ مجتَمع في أيِّ مكان وفي أيِّ زمان، وهو الاجتماع على أنَّه لا إله إلاَّ الله ولا معبودَ بحقٍّ سواه، ونبذ كلِّ أنواع الشِّرك ومظاهره، وأن يكونَ غرسُ التَّوحيد في نفوس أفراد الأمَّة هو القضيَّة الَّتي يقوم عليها النِّظام، وبهذا يكون الإصلاح ويتحقَّق العدل، وأمَّا التَّغيير الَّذي لا يضَع ذلك في حُسبانه، ويجعل أمر التَّوحيد والدِّين هو آخِرَ اهتماماتِه فهُو الخسرانُ بعينِه.

وعليه؛ فأيُّ تغيير لا يأخُذُ بزمامِه ورثةُ الأنبياءِ ـ يعني العُلماء الرَّبَّانيِّين ـ فهو عُرضة للاضطراب والاختلال، وقد يستَغرب هذا الكلام مَن لم تلتصق ثقافتُه بالوحي أو مَن صار لُقمةً سائغةً لوسائل الإعلام تصقُل ذهنَه وأفكارَه وتصوُّراتِه، وأمَّا مَن لازمَ كتابَ الله وسنَّةَ رسوله ﷺ علم يقينًا أنَّه هو التَّغيير المطلوب.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 24»