أنت هنا:قضايا تربوية»الأسرة في رمضان

الأسرة في رمضان

  • د.وسيلة حماموش
تم قراءة المقال 749 مرة

 

كان سلفنا الصَّالح يولون شهر رمضان اهتمامًا خاصًّا، وكانوا يدعون الله أن يبلغهم رمضان، وإذا انقضى يدعونه أن يتقبَّله منهم... ذلك لأنَّهم أدركوا قيمة رمضان ودقائقه النَّفيسة، فحرصوا على نيل فضائله فتهيَّؤوا له أفرادًا وأُسَرًا  بالتَّقوى والإيمان لا بالزَّخارف والأشكال، بالصَّلاة والصِّيام لا بالبَهْرَجَة والزِّينة، فاقتداءً بسلفنا الصَّالح وقدوتهم وقدوتنا النَّبيّ ﷺ رأيت من الواجب تذكير أرباب الأُسَرِ بما يجب أن يقوموا به  تُجاه أُسَرِهم لتحصيل ما حصله السَّلف والسَّير على طريقهم، فمن فعل ذلك فقد فاز وفلح ومن أهمل فقد خاب وخسر.

* فضائل رمضان وأهميَّته في حياة الأسرة:

قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ[البقرة:185].

خصَّ الله شهر رمضان عن غيره من الشُّهور بكثير من الخصائص والفضائل منها:

ـ خلوف فم الصَّائم أطيب عند الله من ريح المِسْك.

ـ تستغفر الملائكة للصَّائمين حتَّى يفطروا.

 ـ تُصَفَّدُ فيه الشَّياطين.

ـ تُفتح فيه أبواب الجنَّة، وتغلق أبواب النار.

ـ فيه ليلة القدر هي خيرٌ من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم الخير كلَّه.

ـ يُغفر للصَّائمين في آخر ليلة من رمضان.

ـ لله عتقاء من النَّار، وذلك كلّ ليلة من رمضان.

فهذا شهر هذه خصائصه وفضائله بأيِّ شيء نستقبله؟ أبالانشغال بتنويع المآكل والمشارب وطول السَّهر؟  أم بالتضجُّر من قدومه وتثقل علينا العبادة، نعوذ بالله من ذلك كلِّه.

لكن الأسرة الصَّالحة المستقيمة تستقبله بالتَّوبة النَّصوح، وأفرادها كلّها عزيمة صادقة على اغتنامه، وعمارة أوقاته بالأعمال الصَّالحة.

إنَّ شهر رمضان محطَّة تجديد لتزكية النَّفس وأخذ الزَّاد من العلم والعمل بدوام الطَّاعة والاستقامة والتَّطهُّر ممَّا قد شاب النَّفسَ من الذُّنوب والمعاصي .

* توجيهات تربوية للأسرة لاستغلال شهر رمضان:

وهذه بعض التَّوجيهات التَّربويَّة الَّتي تعين الأسرة لتقضي رمضان كما كان يقضيه رسول الله ﷺ ليحرص كلُّ راعٍ في بيته على اتِّباعها لتنشأ أسرته على الخير وصدق الشَّاعر لمَّا قال:

ويـنشـأ نــاشـئ الفتيــان مـنَّـا    عـلـى مـا كــان عـوَّده أبـــوه

1 ـ أن يحرص الوالدان على تذكير أولادهم بحقيقة رمضان قبل مجيئه عن طريق عقد حلقات في البيت في فقه الصِّيام خلال شهر شعبان فضلًا عن حلقات المساجد، عملًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون[التحريم:6].

2 ـ تعويد الأطفال الصِّغار على الصِّيام وتصبيرهم على ذلك وتشجيعهم بهدايا تقدَّم لهم بعد الإفطار، فقد كان السَّلف يعوِّدون أبناءهم على الصِّيام، عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ رضي الله عنه قالت: «أرسل النَّبيُّ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: مَن أصبح مفطرًا فليتمَّ بقيَّة يومه، ومن أصبح صائمًا فليصُم، قالت: فكنَّا نصومه بعدُ ونصوِّم صبياننا [الصِّغار ونذهب بهم إلى المساجد] ونجعل لهم اللُّعبة من العِهن(1)، فإذا بكى أحدهم على الطَّعام أعطيناه ذاك حتَّى يكون عند الإفطار»(2).

قال النَّووي: «وفي هذا الحديث تمرين الصِّبيان على الطَّاعات، وتعويدهم العبادات، ولكنَّهم ليسوا مكلَّفين، قال القاضي: وقد روي عن عُرْوة أنَّهم متى أطاقوا الصَّوم وجب عليهم، وهذا غَلَطٌ مردود بالحديث الصَّحيح: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ : عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» ـ وفي رواية: «يَبْلُغَ» ـ، والله أعلم»(3).

3 ـ حثُّ أهلِ البيت على المحافظة على الصَّلوات المفروضة في أوقاتها وأدائها في المساجد للذُّكور وكذا سائر الواجبات الشَّرعيَّة، وحثّهم على صلاة التَّراويح فإنَّها راحة، فقد قال المصطفى ﷺ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»(4)، كما يشجّع الأطفال عليها من خلال جوائز تقدَّم لهم مثلًا في نهاية رمضان لمن أتمَّ قيام رمضان.

4 ـ ترغيبهم في الإكثار من تلاوة القرآن ومراجعته، وتنويع الأذكار، ويستحسن تنظيم مسابقات في القرآن بين الأولاد، فقد كان الإمام مالك ـ رحمه الله ـ إذا دخل رمضان نفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأَقْبَلَ على تلاوة القرآن من المصحف، وكان سفيان الثَّوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن، والحرص على النَّوافل، دون أن يفوتهم التَّذكير بآيات القرآن وهو تدبُّره، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب[ص:29].

وقد نعى القرآن على أولئك الَّذين لا يتدبَّرون القرآن ولا يستنبطون معانيه، فقال سبحانه: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا[النساء:82].

5 ـ تذكيرهم بمفسدات الصَّوم الَّتي قد يغفل عنها الكثير من النَّاس  من اللَّغو والرَّفَثِ والغِيبَة والنَّميمة وقول الزُّور وكلِّ المحرمات، فرمضان ليس مجرَّد إمساك عن الطعام والشَّراب، بل كذلك إمساك الجوارح عن المحرَّمات، قال ﷺ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُث وَلَا يَفْسُق وَلَا يَجْهَل، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ»(5).

6 ـ اغتنام رمضان للدَّعوة إلى الله تعالى من خلال الجلسات العائليَّة وصلة الرَّحم، وأن يلازموا الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر فالقلوب مهيَّأة لذلك في مثل هذا الشَّهر.

7 ـ عدم إثقال كاهل الأمِّ  بجملة من طلبات المأكولات المتنوِّعة، فهي أيضًا  تحتاج إلى التَّزوُّد بالإيمان في هذا الشَّهر، وعلى أفراد الأسرة الرِّضى بالقليل المعين على العبادة الذي هو خير من الكثير الملهي عن الطَّاعة.

وننصح الأمَّ بأن تستغل وقت اشتغالها في المطبخ ـ دون أن تنسى استحضار النيَّة الخالصة في إطعامها وعملها وتعبها لها ولأولادها وزوجها ـ بذكر الله وبالاستماع للمحاضرات والدُّروس النَّافعة  عبر جهاز التَّسجيل الخاصِّ بالمطبخ، وهنا أُرَغِّب وأحثُّ الأبَ والأخَ على الحرص على توفير جهاز تسجيل خاصٍّ بالمطبخ، فالمرأة تقضي كثيرًا من وقتها فيه، فلعلَّها أن تستغلَّ هذا الوقت فتستفيد فوائد كثيرة وهذا مجرَّب، وليكون ذلك عهد جديد بعد رمضان.

8 ـ حثُّ الأهل على الإنفاق في سبيل الله وتفقُّد الجيران والمحتاجين، فعن ابن عبَّاس قال: «كان رسول الله ﷺ أجود النَّاس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كلِّ ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسول الله ﷺ أجود بالخير من الرِّيح المرسلة»(6)، ولو أنْ يمنح الوالد أو الوالدة مالا لأولادهما ليقدموه بدورهم صدقةً للفقراء لكانت وسيلة تربويَّة ناجعة للطِّفل، أو أن يجعلوا صندوقًا في البيت يجمعون فيه أموالًا للفقراء من مداخيلهم.

9 ـ على الوالدين أن يحرصا على تنظيم حلقاتٍ مع أولادهم في تفسير كلام الله أو شرح حديثٍ من أحاديث رسول الله ﷺ خلال رمضان ويجنِّبوهم السَّهر أمام التِّلفاز، أو اللَّهو واللَّعب وغيرها من الملهيات والمغريات وما أكثرها في زماننا، وقد سبق قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون[التحريم:6].

10 ـ يحرص الوالد على شدِّ المئزر وإيقاظ أهله لإحياء العشر الأواخر من رمضان فإنَّ فيها ليلة هي خيرٌ من ألف شهر، كما كان يفعل رسول الله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر[القدْر:1-3]، وقال  ﷺ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَلَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»(7)، وكان النَّبيُّ ﷺ يتحرَّى ليلة القدر ويأمر أصحابه بتحرِّيها وكان يوقظ أهله ليالي العشر رجاء أن يدركوا ليلة القدر.

وليحذر المسلم أن يسيطر عليه الفتورُ في هذه اللَّيالي العظيمة فيقضيها الأب في الأسواق لاقتناء حاجيات العيد لأولاده، والأمُّ في المطبخ لإعداد الحلويات فلَّعلهما لا يدركان العيد فـ:

ليس العيد لمن لبس الـجديد   بـل العيد لـمن طاعاته تزيد

11 ـ صلة الرَّحم وتفقُّد الفقراء منهم وتفطيرهم لما في ذلك من الأجر العظيم وتكليف الصِّبيان بصلتهم بين الفَيْنَة والأخرى لتدريبهم  على ذلك.

12 ـ ومَنْ فتح اللهُ عليه ووفَّقه لأداء عُمْرَةٍ في رمضان مع أسرته فذاك مِنَّة منه تعالى، فقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدلُ حَجَّةً»(8)، فهنيئًا لك ـ أيُّها الصَّائم ـ.

* آثار رمضان على الأسرة:

رمضان أعظمُ مدرسةٍ إيمانيَّة في حياة المسلم، فمِنْ خلال التَّوجيهات السَّابقة تكون الأسرة قد حقَّقت خيرًا كبيرًا في حياتها وجنت ثمارًا نافعة،  ونذكرها لشحذ الهِمَم ودفعها للعمل لأجل تحقيقها ولِتَعيشَ بها  لما بعد رمضان، ومن أعظم هذه الدُّروس:

1 ـ توحيد الله ومراقبتُه في السِّرِّ والعَلَنِ، وتعميق الإيمان باليوم الآخر والجنَّة والنَّار من خلال الصِّيام والقيام وملازمة دعاء الله بالعِتْقِ من النَّار.

2 ـ حبُّ القرآن وذكرُ الله والمسجدُ للاستدامة عليه خلال وبعد رمضان.

3 ـ شعورٌ مستمرٌّ بما يعانيه الفقراء والمساكين طِيلة أيَّام السَّنة، وهو ضرب من التَّكافل.

4 ـ حبُّ النَّوافل والاجتهاد فيها لما تُوَرِّثه من محبَّة الله.

5 ـ المحبَّة والمودَّة بين أفراد الأسرة من خلال الاجتماعات التَّعليمية وحتَّى على مائدة الإفطار.

6 ـ حبُّ العلم والاستشعار بضرورته في حياة المسلم من خلال حلقات الذِّكر في المساجد والتَّعوُّد عليها.

7 ـ حبُّ الدَّعوة إلى الله والحرص على القيام بها؛ لأنَّها واجبٌ دينيٌّ.

8 ـ الصَّبرُ على الشَّدائد من خلال الصِّيام والقيام، وتدريب النَّفس على العفو والصَّفح والتَّسامح والتَّعاون والتَّآخي.

9 ـ التَّخلُّص من الشُّحِّ والبُخل من خلال الصَّدقات.

10 ـ تنظيم الأوقات للعبادة والأكل والشُّرب والعلم.

وأخيرًا  نداءٌ لجميع الأُسَر:

أَدْرِكوا قيمةَ رمضانَ ودقائقَه الغالية ولحظاتِه الَّتي لا تعوَّض.

فرمضان فرصة لا يمكن أن يفرِّط العاقلُ فيها.. فرصةٌ للتَّخفيف من الآثام والأوزار، فرصة لمغفرة الذُّنوب والسَّيِّئات، فرصة للعِتْق من النَّار، فرصة لمراجعة النَّفس ومجاهدتها في الله.

فلتُسارع الأسرُ ولتَتَسابق إلى الخيرات، فعساها أن تُدرك رمضان هذه السَّنة ولا تدركه السَّنة المقبلة؟!!

 


(1) العِهْنُ هو الصّوف.

(2) رواه البخاري (1859)، ومسلم (1136)، والزِّيادة بين المعكوفتين له.

(3)  «شرح صحيح مسلم» ( 8 /14).

(4) متَّفق عليه.

(5) رواه البخاري (1805)، ومسلم (1151).

(6) رواه البخاريُّ (4711)، ومسلم (2308).

(7) رواه البخاري (1802)، ومسلم (760).

(8) رواه البخاري (1690)، ومسلم (1256).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 4»