أنت هنا:قضايا تربوية»دور المسجـد في تربية الأبناء

دور المسجـد في تربية الأبناء

  • د.وسيلة حماموش
تم قراءة المقال 426 مرة

 

الأسرة المسلمة هي اللَّبنة الأولى في بناء المجتمع، فلابدَّ من تكوينها التَّكوين السَّليم والسَّديد؛ لذلك على المسلم أن يختار البيئة المناسبة ليترعرع أفرادها وينشؤوا فيها، وأبرز من يحتاج إلى اهتمام وتوفير البيئة المناسبة له هم الأولاد، ليتربَّوْا التَّربية الصَّحيحة وينشؤوا النَّشأة الصَّالحة.

لكن أين توجد هذه البيئة وأنَّى له بها في زمن عَجَّ بالفساد يتهاطل من كلِّ حَدَبٍ وصَوْبٍ؟

ما أصعب الإجابة على هذا السُّؤال! الحمد لله أنْ هدانا لأقوم سبيل وأحسن طريق، فإنَّنا لن نجد الإجابة إلاَّ إذا عدنا إلى منهج النُّبوَّة وطريق الرِّسالة الحقّ، طريق نبيِّنا ﷺ وصحبه ومن اهتدى بهديه.

فإنَّ  أوَّل عمل بدأ به النَّبيُّ ﷺ عند نزوله المدينة لبناء أوَّل مجتمع هو بناء المسجد، وبعدها شرع تدريجيًّا في تبليغ رسالته التي تكوِّن المجتمع وتربِّيه، وسنرى دور المسجد في تربية المسلم في مرحلة عمره الأولى وهو طفل؛ ليتبيَّن لنا أهمِّية تعليم الأطفال رسالةَ المسجد.

* أول عمل للنَّبيِّ لبناء المجتمع المسلم «بناء المسجد»:

أوَّل خطوة خطاها الرَّسول ﷺ بعد نزوله المدينة إقامة المسجد النَّبوي لتظهر فيه شعائر الإسلام التي طالما حُورِبَتْ، ولتُقام فيه الصَّلوات الَّتي تربط المرْءَ بربِّ العالمين وتُنَقِّي القلبَ من أدرانه.

فالمسجد من أقوى الأركان والدَّعائم في بناء المجتمع المسلم، وعلى هذا سار نبينا ﷺ والسَّلف الصَّالح من بعده جميعًا، فكان المسجد هو موطن التَّربية الإيمانية والرُّوحيَّة والخلقيَّة والعلميَّة للطِّفل في مراحل تربيته ونشأته كما سنبيِّن ذلك في «حرص السَّلف على تعويد أولادهم المسجد».

* عناية السَّلف بتعويد الصِّبيان ارتياد المساجد:

ثبت عن النبي ﷺ فيما رواه مسلم في «صحيحه» عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يَؤُمُّ النَّاس وأمامة بنت أبي العاص وهي ابنة زينب بنت النَّبيِّ ﷺ على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السُّجود أعادها»(1)، وهذا دليل على أنَّه كان في صلاة الجماعة في المسجد.

وثبت عن الصحابة رضي الله عنهم عنايتهم بتدريب الأطفال على فعل الطَّاعات ومن ذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» عن الرُّبيِّع بنت معوّذ ابن عفران رضي الله عنها، والشَّاهد منه: «ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللُّعبة من العهن»(2).

قال النَّوويُّ مبيِّنًا ما يستفاد من الحديث: «وفي هذا الحديث تمرين الصِّبيان على الطَّاعات وتعويدهم العبادات؛ ولكنَّهم ليسوا مكلَّفين»(3).

كما أُثِرَ عنهم رضي الله عنهم حرصهم على مشاركة صبيانهم في الطَّاعات، منها ارتياد المساجد وتمرينهم وتعويدهم على ذلك، وممَّا يدلُّ على ذلك ما رواه البخاري في «صحيحه» في كتاب العيدين، باب خروج الصِّبيان إلى المصلَّى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «خرجت مع النَّبيِّ ﷺ يوم فطر أو أضحى فصلَّى ثمَّ خطب ثمَّ أتى النِّساء فوعظهن وذكَّرهنَّ وأمرهن بالصَّدقة»(4).

قال العيني: «مطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّ ابن عباس رضي الله عنهما كان وقت خروجه مع النَّبيِّ ﷺ إلى صلاة العيد طفلا»(5).

كما ترجم الإمام البخاري في «صحيحه» بابًا آخر بقوله: «باب وضوء الصِّبيان ومتى يجب عليهم الغسل والطُّهور وحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز وصفوفهم».

من خلال هذه النُّصوص يتبيَّن لنا حرص السَّلف، بل أمر أطفالهم بالطَّاعات ومنها ارتياد المساجد ليعتادوا ذلك ويتهيَّؤوا له قبل البلوغ، حتَّى إذا بلغوا كان الأمر سهلاً عليهم.

* خطرُ وخطأُ منع الصِّبيان المساجد اعتمادًا على أحاديثَ لا تصحُّ:

وممَّا يجدر التَّنبيه إليه اعتماد المسلمين في منع صبيانهم ارتياد المساجد على أحاديث ضعيفة، منها حديث واثلة بن الأسقع أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «جنِّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم...» الحديث، وهو ضعيف كما في «ضعيف ابن ماجه» برقم (164).

وسئلت «اللَّجنة الدَّائمة» عن حكم دخول الأطفال والمجانين المسجد فكان الجواب:

«على وليِّ أمر المجنون منعه من دخول المسجد دفعًا لأذاه عن المسجد والمصلِّين والسَّعي في علاجه، أمَّا الأطفال فلا يمنعون من دخول المسجد مع أولياء أمورهم أو وحدهم إذا كانوا مميِّزين، وهم أبناء سبع سنين فأكثر ليؤدُّوا الصَّلاة مع المسلمين»(6).

وممَّا يدلُّ على جواز إدخال الصِّبيان المساجد ما ورد في «الصَّحيحن» أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يريد تطويل الصَّلاة فيسمع بكاء الصَّبيِّ فيخفِّف، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنِّي لأَدْخُلُ الصَّلاةَ أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأُخَفِّفُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ»(7)، وهذا يدلُّ على مشروعية ارتياد الصِّبيان المسجد.

قال النَّوويُّ: «وفيه جواز صلاة النِّساء مع الرِّجال في المسجد وأنَّ الصَّبيَّ يجوز إدخاله المسجد وإن كان الأولى تنزيه المسجد عمَّن لا يؤمن منه حدث »(8)»(9).

كما ترجم البخاري في «صحيحه» من كتاب الأذان: باب من أخفَّ الصَّلاة عند بكاء الصبي(10).

* وجوب تعريف الآباء والأمَّهات الأبناء فضل وآداب وأخلاق المسجد:

على الوليِّ أن يعمل على ربط أولاده ببيوت الله ـ عزَّ وجلَّ ـ ليتربَّوا في رحابها، فتُهَذَّب أرواحهم وتثقَّف عقولهم وتَزْكُوَ نفوسُهم، ولكي يرغِّبهم في ذلك عليه أن يبيِّن لهم فضائل المسجد ودوره، وإنَّ هذا الأمر ـ أي دور المسجد ـ أصبح من الأمور المهملة في زماننا ممَّا جعل المسجد يفقد دوره ومكانته في تربية الأجيال، فلا تكاد تجد مسجدًا قائمًا على ما يجب أن يقوم عليه إلاَّ ما شاء الله، فأدَّى ذلك إلى انصراف الكثير من النَّاشئة عنه إلى أماكن اللَّهو والفساد.

أ ـ فضائل المسجد:

إذا علمت أيُّها الوليُّ المسلم ـ رحمني الله وإيَّاك ـ تاريخ وأمجاد السَّلف في تربية ناشئتهم ورعايتهم على فعل الخيرات والتَّعوُّد عليها، عليك أن تعرف طرق ووسائل تشحذ بها همَّة ولدك لتدفعه إلى خير البقاع وهي المساجد، وليعرف قيمة المكان ويولي له الاهتمام ويتحلَّى بالآداب ويرتبط به قلبُه لينشأَ على الخير ويبتعد عن الشَّرِّ، فما عليك إلا أن تنقل له ـ بأسلوب مُيسَّر يفهمه ـ تلك الجملة الطيبة من فضائل المسجد منتقاة من سنة خير البرية تغذي بها فكر فلذة كبدك وتعظه بها الفترة بعد الأخرى لتكون له ذكرى ينتفع بها ويغذي بها همته ويقوي عزيمته ليقبل على بيوت الله.

ب ـ حقيقة المسجد ودوره:

المسجد هو مرجع المسلم ومتقلَّبه، فهو الَّذي يغذِّي الإسلام في نفسه لما يتردَّد عليه خمس مرَّات في اليوم واللَّيلة وبما يسمعه فيه من قرآن وخطب ودروس، وهو الَّذي يكوِّنه ويوجِّهه بما يصبغه به من ألوان ثابتة، وبما يفيض عليه من روحانيَّة قويَّة، وبما يغشي في جوانبه من فضائل أصيلة، وبما يشبع دخائله من أنوار وهَّاجة وبما يغرسه فيه من آمال شريفة، وبما يطبعه عليه من أخلاق، وبما يخطُّه من سبل للسَّعادة، وبما يركِّبه فيه من استعداد للعزَّة والسِّيادة(11).

ولذلك فإنَّه ممَّا ينبغي على الوليِّ أن يرسِّخ في تكوين الطِّفل الفكري حقائق عليها يبني مستقبله وليس له مثل ربطه بكتاب الله عز وجل، ففيه بيان لكلِّ الحقائق، فقد ذكر الله عز وجل القصد من رفع المساجد فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَار * لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَالله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب[النور:36-38].

ذكر ابن كثير في «تفسيره» لهذه الآيات لطيفة جميلة جدًّا تبيِّن الحقيقة العظمى لوجود المسجد في المجتمع فقال: «لمَّا ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن(12) وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزُّجاجة الصَّافية المتوقِّد من زيت طيِّب وذلك كالقنديل مثلاً، ذكر محلَّها وهي المساجد الَّتي هي أحبُّ البقاع إلى الله من الأرض وهي بيوته الَّتي يعبد فيها ويوحَّد»(13).

آية ترسم صورة كاملة للبيئة بإنسانها وأفكارها وعاداتها وتضعها في إطار موشَّى بالجمال والحبِّ أمام عين المؤمن ليصفها لولده ويشوِّقه إلى ارتيادها في كلِّ وقت ينادى فيه للصَّلاة أو يتداعى النَّاس لعلم عالم.

والمسجد هو البؤرة الإيمانية الَّتي تستقطب كلَّ البيئات من حولها وتعكس عليها جمالها وخيرها، فيكون المسجد هو كلّ بيئة، وتكون كلّ بيئة هو المسجد؛ لأنَّ ما في داخل المسجد من نور وعلم ومعرفة وحبٍّ ومودَّة وصدق وإخلاص وشجاعة وقوَّة وغيرها ستحمل إلى خارج المسجد وتحدث التأثير القويّ في نفوس الَّذين حيل بينهم وبين بيوت الله؛ لأنَّهم يرون في رواد المسجد شيئًا محبوبًا يفقدون في قرار نفوسهم فيسرعون إليه قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ[الحشر:10]...

فليحرص الأب منَّا إذا على أن يقيم جسرًا قويًّا بين أبنائه وبين المسجد وبخاصَّة في هذا الزَّمان الَّذي أضحى فيه الشَّر عنوان الحضارة وأُسَّ المدنية والوشيجة الواصلة بين الإنسان وبين طموحاته وآماله.  

* المسجد والصَّلاة:

بعد أن يعرِّف الأب ابنه بحقيقةِ المسجد وفضائله يشحذ الهمَّة ويعقد العزم لأمر ابنه بالصَّلاة، فقد أمر النبي ﷺ بذلك في قوله: «مُرُوا الصَّبيَّ بالصَّلاَةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا»(14).

قال النَّووي: «واعلم أنَّ قوله ﷺ: «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ» ليس أمرًا منه ﷺ للصَّبيِّ وإنَّما هو أمر للوليِّ، فأوجب على الوليِّ أن يأمر الصَّبي...  وهذا الأمر والضَّرب واجب على الوليِّ سواء كان أبًا أو جدًّا أو وصيًّا أو قيِّما من جهة القاضي صرَّح به أصحابنا... ودليل هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ[طه:132]، وقوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا[التحريم:6]، وقوله ﷺ: «وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» رواه مسلم في «صحيحه» في كتاب الصِّيام من رواية ابن عمر، وقوله ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» رواه البخاري ومسلم.

قال الشَّافعي في «المختصر»: وعلى الآباء والأمَّهات أن يؤدِّبوا أولادهم ويعلِّموهم الطَّهارة والصَّلاة ويضربوهم على ذلك إذا عقلوا، قال أصحابنا: ويأمره الوليُّ بحضور الصَّلوات في الجماعة وبالسِّواك وسائر الوظائف الدِّينيَّة، ويعرِّفه تحريم الزِّنا واللِّواط والخمر والكذب والغيبة وشبهها»(15).

وقال الشَّوكاني: «والحديث يدلُّ على وجوب أمر الصِّبيان بالصَّلاة إذا بلغوا سبع سنين وضربهم عليها إذا بلغوا عشرًا»(16).

وقال ابن حجر في «الفتح»: «وذهب الجمهور إلى أنَّها لا تجب عليه إلاَّ بالبلوغ، وقالوا: الأمر بضربه للتَّدريب»(17).

فائدة: ولا فرق في الأمر بالصَّلاة بين الصَّبيَّ والصبيَّة؛ لأنَّ الحديث عام يشملهما جميعًا، قال النَّووي مستدلاًّ بحديث: «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ»: «والاستدلال به واضح؛ لأنَّه يتناول بمنطوقه الصَّبيَّ والصَّبيَّة في الأمر بالصَّلاة والضَّرب عليها»(18). 

وإذا كان الأمر بالصَّلاة للصِّبيان واجبًا فإنَّ تأديبهم وتعليمهم أحكامَ الصَّلاة أمر لا بدَّ منه بالضَّرورة من طهارة وستر عورة وأدائها في المسجد وغيرها كما ذكرنا في قول النَّووي، وفي ذلك يقول الشَّيخ الألباني ـ رحمه الله تعالى ـ في تعليقه على كتاب: «حجاب المرأة المسلمة ولباسها في الصَّلاة» لشيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله: «وعلى هذا ينبغي أن يؤدّب الصِّبيان فلا يجوز لآبائهم أن يلبسوهم السَّراويل القصيرة ـ التبَّان ـ وأن يحضروهم المساجد في هذه الحالة للحديث المتقدِّم: «مُرُوهُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ...»، ولا شكَّ أنَّ هذا الأمر يشمل أمرهم بشروطها وأركانها أيضًا، فتنبَّه ولا تكن من الغافلين»(19).

وقد ترجم البخاري في «صحيحه»(20) بابًا بقوله: «باب وضوء الصِّبيان ومتى يجب عليهم الغسل والطّهور وحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز وصفوفهم».

وقال ابن حجر في «الفتح» في شرح حديث أنس رضي الله عنه لَمَّا صلَّى النبي ﷺ:

«وفيه تنظيف مكان المصلِّي وقيام الصَّبيِّ مع الرَّجل صفًّا وتأخير النِّساء عن صفوف الرِّجال وقيام المرأة صفًّا وحدها إذا لم يكن معها امرأة غيرها»(21).

بل يشرع للصَّبيِّ حتَّى الإمامة، وهذا يدلُّنا على اهتمام الإسلام بتربية النَّشء على الصَّلاح والخير، فقد أخرج البخاري في «صحيحه» (4302) من حديث عمرو بن سَلِمَة قال: كنَّا بماء ممرَّ النَّاس، وكان يمرُّ بنا الرُّكبان فنسألهم: ما للنَّاس؟ ما للنَّاس؟ ما هذا الرَّجلُ؟ فيقولون: يزعم أنَّ الله أرسله، أوحى إليه، أو أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام فكأنَّما يُقَرّ(22) في صدري وكانت العرب تَلَوَّم(23) بإسلامهم الفتح فيقولون: اتركوهُ وقومهُ، فإنَّه إن ظهر عليهم فهو نبيٌّ صادق، فلمَّا كانت وقعة أهل الفتح بادر كلُّ قومٍ بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلمَّا قدم قال: جئتكم والله من عند النَّبيِّ  ﷺ حقًّا، قال: صلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلُّوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصَّلاة فليؤذِّن أحدكم وليؤمَّكم أكثركم قرآنًا، فنظروا فلم يكن أحدٌ أكثرَ قرآنًا منِّي لِمَا كنتُ أتلقَّى من الرُّكبان، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ستٍّ أو سبع سنين، وكانت عليَّ بُردة كنتُ إذا سجدتُ تقلَّصت عنِّي، فقالت امرأة من الحيِّ: ألا تغطُّون عنَّا اسْتَ قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص».

قال القرطبي: «قلت: إمامة الصَّغير جائزة إذا كان قارئًا» ثمَّ ساق الحديث(24).

* المسجد والتَّعليم:

المسجد والتعليم صنوان في الإسلام من يوم ظهوره، فما بنى النَّبيُّ ﷺ يوم استقرَّ في دار الإسلام بيته حتَّى بنى المسجد، ولمَّا بنى المسجد كان يقيم الصَّلاة فيه ويجلس لتعليم أصحابه، فارتباط المسجد بالتَّعليم كارتباطه بالصَّلاة، فكما لا مسجد بدون صلاة، كذلك لا مسجد بدون تعليم، وحاجة الإسلام إليه كحاجته إلى الصَّلاة، فلا إسلام بدون تعليم، ولهذه الحاجة مضى النَّبيُّ ﷺ على عمارة المسجد بهما، فما انقطع عمره كلّه عن الصَّلاة وعن التَّعليم في مسجده حتَّى في مرضه الَّذي توفِّي فيه(25).

وهذا هو التَّوجيه الَّذي يجب على أولياء الأمور أن يبنوا عليه أفكار أبنائهم إذ أنَّ نظرتهم اليوم للطِّفل لا تعدو أن تكون نظرة مبنيَّة على الطِّيش واللَّهو واللَّعب تاركين إيَّاه على ذلك الحال، وإنَّ من له اطَّلاع على سيرة السَّلف وأطفالهم يرى العجب في مراعاتهم بربطهم بالمسجد والعلم وعنايتهم بذلك عناية شديدة ولفتهم إلى أسبابه، وأقواها التَّلقِّي والاجتماع عليه، والمداومة، وما ذلك إلاَّ في المسجد، فقد قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ[النور:36] الآية، والذِّكر بمعناه العام العلم، وأوَّل مصدر له كتاب الله تعالى كما جاء في «تفسير ابن كثير»: «يذكر فيها اسمه» قال ابن عبَّاس: «يتلى فيها كتابه».

وأخرج البخاري في «صحيحه» من رواية ابن عبَّاس عن نفسه رضي الله عنه فقال: «توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم»(26).

 وقد ترجم لها البخاري في «صحيحه»: «باب تعليم الصِّبيان القرآن».

وهذا عبد الله بن الزُّبير أوَّل مولود للمهاجرين بالمدينة وله صحبة ورواية أحاديث عِدَادُه في صغار الصَّحابة وإن كان كبيرًا في العلم والشَّرف والجهاد والعبادة(27).

وغيرُ هذا كثيرٌ في حياة السَّلف حفظت لنا سيرهم الكثير في حرصهم على العلم منذ الطُّفولة، وما ذاك إلاَّ بثني الرُّكب في المساجد وقضاء نفيس الأوقات فيها.

وقد بوَّب البخاري في «صحيحه»: «باب متى يصح سماع الصغير»، قال ابن حجر في «الفتح»: «قوله: «باب متى يصحُّ سماع الصغير» ـ زاد الكشميهني «الصَّبي الصَّغير» ـ ومقصود الباب الاستدلال على أنَّ البلوغ ليس شرطًا في التَّحمُّل، وقال الكرماني: إنَّ معنى الصِّحة هنا جواز قبول مسموعه، قلت: وهذا تفسير لثمرة الصِّحة لا لنفس الصِّحة، وأشار المصنِّف بهذا إلى اختلافٍ وقع بين أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين رواه الخطيب في «الكفاية» عن عبد الله ابن أحمد وغيره أنَّ يحيى قال: أقلُّ سنِّ التَّحمُّل خمس عشرة سنة لكون ابن عمرَ رُدَّ يوم أحد إذ لم يبلغها، فبلغ ذلك أحمد فقال: بل إذا عقل ما يسمع وإنَّما قصَّة ابن عمر في القتال، ثمَّ أورد الخطيب أشياء ممَّا حفظها جمع من الصَّحابة ومن بعدهم في الصِّغر وحدَّثوا بها بعد ذلك وقبلت عنهم، وهذا هو المعتمد»(28).

وقد أورد البخاري في «صحيحه» (77) تحت نفس الباب عن محمود بن الرَّبيع قال: «عقلت من النَّبيِّ ﷺ مجَّة مجَّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو»، قال ابن حجر في «الفتح»: «وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم، جواز إحضار الصِّبيان مجالس الحديث، وزيارة الإمام أصحابه في دورهم ومداعبته صبيانهم، واستدلَّ به بعضهم على تسميع من يكون ابن خمس ومن كان دونها يكتب له حضور، وليس في الحديث ولا في تبويب البخاري ما يدلُّ عليه، بل الَّذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم، فمن فهم الخطاب سمع، وإن كان دون ابن خمس وإلاَّ فلا، وقال ابن رشيد: «الظَّاهر أنَّهم أرادوا بتحديد الخمس أنَّها مظنَّةٌ لذلك لا أنَّ بلوغها شرط لا بدَّ من تحقُّقه والله أعلم»، وقريب منه ضبط الفقهاء سنَّ التَّمييز بستٍّ أو سبعٍ، والمرجّح أنَّها مظنَّة لا تحديد، ومن أقوى ما يتمسَّك به في أنَّ المردَّ في ذلك إلى الفهم فيختلف باختلاف الأشخاص ما أورده الخطيب من طريق أبي عاصم قال: ذهبت بابني ـ وهو ابن ثلاث سنين ـ إلى ابن جريج فحدَّثه، قال أبو عاصم: ولا بأس بتعليم الصَّبيِّ الحديث والقرآن وهو في هذا السِّنِّ، يعني إذا كان فَهِمًا، وقصَّة أبي بكر ابن المقري الحافظ في تسميعه لابن أربعٍ بعد أن امتحنه بحفظ سور من القرآن مشهورة»(29).

وهذه نصيحة ثمينة من الإمام ابن باديس رحمه الله في الحرص على تلقِّي العلم في المساجد وتربية الأبناء على ذلك فقال: «إذا كانت المساجد معمورة بدروس العلم، فإنَّ العامَّة الَّتي تنتاب تلك المساجد تكون من العلم على حظٍّ وافر، وتتكوَّن منها طبقة مثقَّفة الفكر، صحيحة العقيدة، بصيرة بالدِّين، فتكمل هي في نفوسها ولا تهمل ـ وقد عرفت العلم وذاقت حلاوته ـ تعليم أبنائهم، وهكذا ينتشر العلم في الأمَّة ويكثر طلاَّبه من أبنائها»(30).

* وجوب تعليم الطفل آداب المسجد:

وذلك لأنَّ الحياة في المسجد لا تكمل إلاَّ مع حرص أولياء الأمور بتربية أبنائهم ورعايتهم وتنبيههم وتعليمهم الآداب والأخلاق الَّتي يجب التَّحلِّي بها في بيوت الله تعالى لتصان وترفع عن كلِّ عبث وتبثّ رسالتها على أكمل صورة.

* حثُّ ورجاءٌ:

1ـ دعوة إلى أئمَّة المساجد لبيان أهميَّة المسجد وحثِّهم الآباء لتعليم الأبناء فضائل ودور وحقيقة المسجد وآدابه وأخلاقه.

2ـ دعوة الآباء والأمَّهات وأولياء الأمور إلى رعاية أبنائهم وتعويدهم ارتياد المساجد للصَّلاة وطلب العلم.

3ـ وضع برامج لتحفيظ الأطفال القرآن والسُّنَّة الصَّحيحة.

4ـ اجتماع أعيان الأحياء في المساجد مع الإمام لدراسة السَّير الحسن للمسجد مع الاهتمام بالطِّفل ورعايته فيه.

5ـ حرص الكبار على أن يكونوا قدوة للصِّغار في التَّحلِّي بآداب المسجد وحسن تلقِّي القرآن والعلم فيه.

 



(1) «صحيح مسلم» (543).

(2) «صحيح مسلم» (1136).

(3) «شرح مسلم» (8/ 262).

(4) «صحيح البخاري» (975).

(5) «عمدة القارئ» (2/ 297).

(6) «فتاوى اللَّجنة الدَّائمة» (6/ 278).

(7) «صحيح البخاري» (709 ـ 710)، «صحيح مسلم» (470).

(8) قُلْتُ: قد أزيل هذا العائق في زماننا بحفاظات الصِّبيان، والحمد لله.

(9) «شرح مسلم» (4/ 432).

(10) انظر: (1/ 173).

(11) «عيون البصائر» للإبراهيمي: (ص160).

(12) وهي فـي تفسيره قوله تعالـى: ﴿الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ[النور:35].

(13) «تفسير ابن كثير»: (5/ 62).

(14) «صحيح أبي داود»: (1/ 97).

(15) «المجموع» (3/ 11).

(16) «نيل الأوطار» (1/ 298).

(17) (2/ 446).

(18) «المجموع» (3/ 10 ـ 11).

(19) (ص 26).

(20) كتاب الأذان: (1/ 208).

(21) «فتح الباري» (1/ 490).

(22) بقاف مفتوحة من القرار، وفي رواية بألف مقصورة، أي يجمع، أو بهمزة من القراءة، وفي رواية: «يغرى» أي يلصق.

(23) تنتظر.

(24) انظر: «تفسير القرطبي» (1/ 353).

(25) «آثار عبد الحميد بن باديس» (4/ 94).

(26) رواه البخاري (5035).

(27) «سير أعلام النُّبلاء» (3/ 360).

(28) «فتح الباري» (1/ 171).

(29) «فتح الباري» (1/ 173).

(30) «الشِّهاب»: نقلاً عن كتاب «الشَّيخ عبد الحميد بن باديس» لتركي رابح: (ص295).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 17»