أنت هنا:قضايا تربوية»الأسباب المعينة على ترك الذنوب

الأسباب المعينة على ترك الذنوب

  • عباس ولد عمر
تم قراءة المقال 377 مرة

 

غير خافٍ على أحد أنَّ أمَّة الإسلام في هذه الأزمان قد ابتعدت بعدًا كبيرًا عن دين ربِّها، وفرَّطت تفريطًا بالغًا في القيام بأمر خالقها، وأظهر ما يدلُّ عليه ذلك الانتشار الفظيع للمعاصي والآثام، الَّتي ملأت الأصقاع، ولم تسلم منها بقعة من البقاع.

ولا ريب أنَّ مقاومة ذلك السَّيل الجارف من المعاصي والآثام المنتشرة في الأمَّة أمرٌ مرهقٌ جدًّا، لا يستطيعه أهل الإيمان إلاَّ بعظيم مجاهدة، وشديد مكابدة؛ لأنَّهم غرباء بين أهل الإسلام فضلاً عن سائر النَّاس، الَّذين انتكست فطرهم، وعميت بصائرهم، فأصبح المعروف عندهم منكرًا، والمنكر معروفًا، حتَّى استوحش السَّائرون من قلَّة السَّالكين، واغترَّ الغافلون بكثرة الهالكين، ولن نجد أبلغ في الكلام لوصف هذه الحال من قول نبيِّنا ﷺ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالقَابضِ عَلَى الجَمْرِ»(1).

ولكن لا ينبغي أن يُغيِّب هذا الواقعُ عن أذهاننا قولَه ﷺ في الحديث الآخر: «مَا أَنْزَلَ الله دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً»(2)، زاد أحمد: «عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»(3).

وهذا عامٌّ في جميع الأدواء، وأخطرها ما كان فاتكًا بقلب الإنسان، مفسدًا لما فيه من الإيمان.

قال ابن القيِّم رحمه الله عن هذا الحديث: «وهذا يعمُّ أدواءَ القلب والرُّوح والبدن، وأدويتها»(4).

فمهما ظهر في النَّاس الفساد، وعمَّ في الأمَّة الضَّلال، وكثر الدَّاعون إلى الشَّرِّ والانحلال، وقلَّ المصلحون النَّاصحون؛ فلابدَّ أن يكون لأهل الخير والإيمان ملجأٌ يلجؤون إليه، ومَعاذٌ يعوذون به؛ لأنَّه «ما أمر الله سبحانه بأمر إلاَّ أعان عليه، ونصب له أسبابًا تمدُّه وتعين عليه، كما أنَّه ما قدَّر داءً إلاَّ قدَّر له دواءً، وضمن الشِّفاء باستعماله»(5).

فما على المؤمن النَّاصح لنفسه، السَّاعي في نجاتها؛ إلاَّ أن يحرص على الأخذ بالأسباب الَّتي جعلها الله عاصمة من شرِّ السَّيِّئات والآثام.

وهذه الأسباب قد اجتهد أهل العلم في بيانها وتوضيحها ودلالة النَّاس عليها لفرط الحاجة إليها.

ومن أفضل من تكلَّم في مسائل هذا الباب العلاَّمةُ ابن القيِّم رحمه الله، طبيب القلوب، والخبير بما للنُّفوس من العيوب.

وقد رأيت أن أنتقي شيئًا من كلامه في بيان ما يعين على مجانبة الفواحش والآثام، رغبةً في إهدائها إلى من لم يقف عليها، وإدنائها لمن كان بحاجة إليها، فهي عظيمة النَّفع، بالغة الأثر والوقع، وقد زدت عليها ما رأيته مناسبًا من دليل شرعيٍّ، أو بيت شعريٍّ وغيره.

السبب الأول:
دعاء الله سبحانه، والفرار إليه

قال ابن القيِّم رحمه الله: «وكذلك الدُّعاء؛ فإنَّه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب».

وقال: «والدُّعاء من أنفع الأدوية، وهو عدوُّ البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخفِّفه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن»(6).

وقال: «تعرُّضه ـ أي: العبد ـ إلى مَنِ القلوب بين إصبعيه، وأزِمَّة الأمور بيديه، وانتهاء كلِّ شيء إليه على الدَّوام، فلعلَّه أن يصادف أوقاتَ النَّفحات، كما في الأثر المعروف: «إِنَّ لله في أَيَّامِ دَهْرِهِ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِهِ، وَاسْأَلُوا الله أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ وَيُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ»(7)، ولعلَّه في كثرة تعرُّضه يصادف ساعة من السَّاعات الَّتي لا يُسأل الله فيها شيئًا إلاَّ أعطاه»(8).

قال الله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ الله قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون[النمل:62]، وقال عزَّ من قائل: ﴿فَفِرُّوا إِلَى الله إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِين[الذاريات:50]، قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «ولهذا كان أنفع الدُّعاء وأعظمه وأحكمه: دعاء الفاتحة ﴿اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين[الفاتحة:6-7]، فإنَّه إذا هداه هذا الصِّراط أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شرٌّ لا في الدُّنيا ولا في الآخرة...»(9).

فسؤال الهداية من الله وطلب إعانته لمن أكبر أسباب المعافاة، مهما أحاطت بالنَّاس الذُّنوبُ، وشقّ على النَّفس مفارقتها.

السبب الثاني:
إجلال الله تعالى أن يعصى وهو يرى ويسمع

قال ابن القيِّم: «إجلال الله تبارك وتعالى أن يُعصى وهو يرى ويسمع، ومن قام بقلبه مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك البتَّة»(10).

ففعلك المعصية وأنت تعلم أنَّ ربَّك مطَّلع عليك، لا يخفى عليه شيء من أمرك، يدلُّ على عدم تعظيمك له، وقلَّة حيائك منه، وقد قال جلَّ ذكره: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا[نوح:13] قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما في تفسيرها: «ما لكم لا تعظِّمون الله حقَّ عظمته»(11).

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ» قال: قلنا: يا رسول الله! إنَّا نستحيي والحمد لله؛ قال: «لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ الله حقَّ الحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالبَطْنَ وَمَا حَوَى وَلِتَذْكُرِ المَوْتَ وَالبِِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ»(12).

وعن سعيد بن يزيد الأنصاري أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله! أوصني. قال: «أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِيَ من الله عَزَّ وَجَلَّ كَمَا تَسْتَحيِ رَجُلاً صَالِحًا مِنْ قَوْمِكَ»(13).

وقد يجتهد الواحد منّا في الاستخفاء من أعين النَّاس ليخلو بمحارم الله، وقد نسي أنَّ ربَّه معه أينما كان، لا يعزب عنه مثقال ذرَّة في السَّموات ولا في الأرض ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا[النساء:108]. فإيَّاك يا عبد الله أن تجعل ربَّك أهون من ينظر إليك، قال رجل لوهيب بن الورد: عظني؛ قال: «اتَّق أن يكون الله أهونَ النَّاظرين إليك»(14).

ولقد أحسن من قال:

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خـــلـوت ولـكـن قـل عــلي رقــيـب
ولا تـحـسـبـن الله يغـفـل ما مـضى ولا أن ما يخفـى عـليه يغــيــب(15)

 

السبب الثالث:
استحضار محبة الله سبحانه

قال ابن القيِّم: «مشهد محبَّته سبحانه؛ فيترك معصيته محبَّةً له، فإنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ».

فما من مسلم إلاَّ وهو يقول: إنِّي أحبُّ الله، ولكن هذه دعوى لا قيمة لها حتَّى تقوم البيِّنة الَّتي تدلُّ على صدقها، لذلك قال ربُّنا جلَّ في علاه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيم[آل عمران:31] فقد جعل سبحانه لمدَّعي محبَّته علامةً تدلُّ على صدقها، وهي اتِّباع نبيِّه ﷺ، ويكون ذلك بطاعته فيما به أمر، والانتهاء عما عنه زجر، ومعلومٌ أنَّ طاعة الرَّسول من طاعة الله سبحانه، كما أنَّ معصيته من معصيته، فمن أحبَّ الله صدقًا فلابدَّ أن تقتضي هذه المحبَّة الانتهاء عن محارم الله، وإلاَّ كان كاذبًا في دعواه، كما قال الشَّاعر:

تعصي الإله وأنت تظهر حبَّـه هذا لعمري في القياس بديــع
لو كان حبُّك صادقًا لأطعته إنَّ المحبَّ لمن يحـبُّ مـطيع(16)

 

فمحبَّة الله موجبة لطاعته وترك معصيته، ومن زعم أنَّه يحبُّ الله ولم يحجزه ذلك عن معصية الله فهو كاذب في دعواه.

السبب الرابع:
مــشــهــد الــنــعــمــة

قال ابن القيِّم: «مشهد النِّعمة والإحسان: فإنَّ الكريم لا يُقابِل بالإساءة من أحسن إليه، وإنَّما يفعل هذا لئام النَّاس، فليمنعه مشهد إحسان الله تعالى ونعمته عن معصيته، حياءً منه أن يكون خير الله وإنعامه نازلاً إليه، ومخالفاته ومعاصيه وقبائحه صاعدة إلى ربِّه، فملك ينزل بهذا وملك يعرج بهذا فأقبح بها من مقابلة!».

يقول الله جلَّ ذكره: ﴿هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَان[الرحمن:60]، فإذا كان من أحسن إليك من المخلوقين تستحيي أن تردَّ طلبه، وتتحرَّج من فعل ما يكرهه، فكيف يهون عليك فعله مع من تتقلَّب اللَّيل والنَّهار في آلائه، ولا تستغني طرفة عين عن إحسانه!

السبب الخامس:
مشهد الغضب والانتقام

قال ابن القيِّم: «مشهد الغضب والانتقام: فإنَّ الرَّبَّ تعالى إذا تمادى العبد في معصيته غضب، وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء، فضلاً عن هذا العبد الضَّعيف».

قال سبحانه: ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيم * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيم[الحِجر:49-50]، وقال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيد[البروج:12]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد[هود:102]، وقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِين * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِلآخِرِين[الزُّخرُف:55-56]، وقال: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ الله بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُون * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِين * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيم[النحل:45-47].

أفلا يكون لنا في هذه النُّصوص عظة وزاجر، نمنع النُّفوس بها عن مقارفة الفواحش والكبائر؟!

السبب السادس:
مـــشـــهـــد الــفـــوات

قال ابن القيِّم: «مشهد الفوات: وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدُّنيا والآخرة».

فالذُّنوب لها من الآثار والأضرار على العبد ما لا يعلمه إلاَّ الله، وذلك في الدُّنيا والبرزخ والآخرة، ولكنَّ أكثر الناس عن ذلك غافلون، قال سبحانه: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ[النساء:123]، وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير[الشورى:30]، وعن البراء بن عازب مرفوعًا: «ما اختلج عرق ولا عين إلاَّ بذنب، وما يدفع الله عنه أكثر»(17).

قال ابن القيِّم: «وهل في الدُّنيا والآخرة شرٌّ وداء إلاَّ وسببه الذُّنوب والمعاصي!»(18)، وقال: «والمقصود أنَّ عقوبات السَّيِّئات تتنوَّع إلى: عقوباتٍ شرعيَّة، وعقوباتٍ قدريَّة؛ وهي إمَّا في القلب، وإمَّا في البدن، وإمَّا فيهما، وعقوبات في دار البرزخ بعد الموت، وعقوبات يوم حشر الأجساد.

فالذَّنب لا يخلو من عقوبةٍ البتَّة، ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة؛ لأنَّه بمنزلة السَّكران والمخدَّر والنَّائم الَّذي لا يشعر بالألم»(19).

وقد أسهب ابن القيِّم في بيان ما يُفوِّت العبد على نفسه من خير الدُّنيا والآخرة بمواقعة الإثم، فمن ذلك: «حرمان العلم والطَّاعة والرِّزق وتعسير الأمور، إزاغة القلب وصرفه عن الحقِّ، وحشة بين العبد وربِّه، وبينه وبين الخلق، المعصية تزرع أمثالها وتولِّد أخواتها، تميت القلب، توجب اللَّعنة، تزيل النِّعم، وتحلُّ النِّقم، وشماتةَ الأعداء بالنَّفس وأخطرهم الشَّيطان، ونكس القلب حتَّى يرى الباطل حقًّا والحقَّ باطلاً، وضنك العيش فلا تقرُّ عينه بشيءٍ، سوء الخاتمة»(20).

هذه عقوبات الدُّنيا فحسب، فكيف بعقوبات القبر وشدائد يوم البعث.

ولو لم يكن ما يفوت بسبب الذَّنب إلاَّ الإيمان لكفى ذلك اللَّبيب، قال ابن القيِّم: «ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان، الَّذي أدنى مثقال ذرَّة منه خيرٌ من الدُّنيا وما فيها أضعافًا مضاعفة، فكيف يبيعه بشهوة تذهب لذَّتُها وتبقى تَبعَتُهَا، تذهب الشَّهوة وتبقى الشَّقوة.

وقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»(21)، قال بعض الصَّحابة: «ينزع منه الإيمان حتَّى يبقى على رأسه مثل الظُّلَّة فإن تاب عاد إليه(22)»(23).

السبب السابع:
مـــشـــهـــد الـــعـــوض

قال ابن القيِّم: «مشهد العوض: وهو ما وعد الله سبحانه به من تعويض من ترك المحارم لأجله، ونهى نفسه عن هواها، وليوازن بين العِوض والمُعَوَّض، فأيُّهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه».

قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى[النازعات:41]، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ[الطلاق:2-3]، وصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لله إِلاَّ بَدَّلَكَ الله بهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ»(24).

السبب الثامن:
مـــبـــاغـــتـــة الأجـــل

قال ابن القيِّم: «مشهد المغافصة والمعاجلة: وهو أن يخاف أن يغافصه الأجل فيأخذه الله عزَّ وجل على غرَّة، فيُحال بينه وبين ما يُشتَهى من لذَّات الدُّنيا، وبينه وبين ما يُشتَهى من لذَّات الآخرة، فيا لها من حسرة ما أمرَّها وما أصعبها، لكن ما يعرفها إلاَّ من جرَّبها».

لأجل هذا حثَّنا ﷺ على ذكر هاذم اللَّذَّات؛ الموت، فقال: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ؛ فَمَا ذَكَرَهُ عَبْدٌ قَطُّ وَهُوَ فيِ ضِيقٍ إِلاَّ وَسَّعَهُ عَلَيْهِ وَلاَ ذَكَرَهُ وَهُوَ فيِ سَعَةٍ إِلاَّ ضَيَّقَهُ عَلَيْهِ»(25).

فيا من غرَّه طول الأمل، وهو يُمَنِّي نفسه بالتَّوبة إلى أجل، أأمنت أن يدركك الموت وأنت مقيم على الذَّنب من غير وجل، فيختم لك بالسُّوء ولا تنفعك حينئذ الحسرة ولا النَّدم ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون[المؤمنون:99-100].

أما تخشى أن يبعثك الله يوم القيامة على الذَّنب الَّذي كنت مصرًّا عليه، ولم تجاهد نفسك على التَّوبة منه، فقد صحَّ في الحديث أنَّه: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ»(26).

السبب التاسع:
التفكُّر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها

قال ابن القيِّم: «التَّفكُّر في الدُّنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها، فلا يرضى لنفسه أن يتزوَّد منها إلى دار بقائه وخلوده أخسَّ ما فيها وأقلَّه نفعًا إلاَّ ساقطُ الهمَّة، دنيءُ المروءة، ميِّتُ القلب، فإنَّ حسرته تشتدُّ إذا عاين حقيقة ما تَزَوَّدَه وتبيَّن له عدم نفعه له، فكيف إذا كان ترك تزود ما ينفعه إلى زاد ما يُعذَّب به ويناله بسببه غاية الألم؟! بل إذا تزوَّد ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه كان ذلك حسرةً عليه وغبنًا».

قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُون[الأحقاف:35].

وهل أوقع العباد في معصية الله إلاَّ حبُّهم للدُّنيا وإيثارهم لها على الآخرة؟! «وقد تواتر عن السَّلف: أنَّ حبَّ الدُّنيا رأس الخطايا وأصلها، وقد روي فيه حديث مرفوع لا يثبت، ولكنَّه يروى عن المسيح عليه السلام»(27).

ومن أراد أن يعرف قدر الدُّنيا وحقيقتها فليتأمَّل هذين الحديثين: عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ»(28).

وعن ابن عبَّاس أنَّ رسول الله ﷺ دخل عليه عمر وهو على حصيرٍ قد أثَّر في جنبه فقال: يا نبيَّ الله! لو اتَّخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ سَارَ فيِ يَوْمٍ صَائِفٍ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا»(29).

قال ابن القيِّم: «فتأمَّل حسن هذا المثل ومطابقته للواقع سواء، فإنَّها في خضرتها كشجرة، وفي سرعة انقضائها وقبضها شيئًا فشيئًا كالظِّلِّ، والعبد مسافرًا إلى ربه، والمسافر إذا رأى شجرةً في يومٍ صائفٍ لا يحسن به أن يبني تحتها دارًا، ولا يتخذَّها قرارًا، بل يستظلُّ بها بقدر الحاجة، ومتى زاد على ذلك انقطع عن الرِّفاق»(30).

السبب العاشر:
تفريغ المحلِّ وهو القلب، وتخليته قبل تحليته

قال ابن القيِّم: «أن يعلم العبد أنَّ تفريغ المحلِّ شرط لنزول غيث الرَّحمة، وتنقيته من الدَّغَل شرط لكمال الزَّرع، فمتى لم يفرِّغ المحلَّ لم يصادف غيث الرَّحمة محلاًّ فارغًا قابلاً ينزل فيه، وإن فرَّغه حتَّى أصابه غيث الرَّحمة ولكنَّه لم يُنقِّه من الدَّغل لم يكن الزَّرع زرعًا كاملاً... ولو فرَّغ العبد المحلَّ وهيَّأه وأصلحه لرأى العجائب، فإنَّ فضل الله لا يردُّه إلاَّ المانع الَّذي في العبد، فلو أزال ذلك المانع لسارع إليه الفضل من كلِّ صوب، فتأمَّل حال نهر عظيم يسقي كلَّ أرض يمرُّ عليها، فحصل بينه وبين بعض الأرض المعطشة المجدبة سَكْر وسدٌّ كثيف، فصاحبها يشكو الجدب، والنَّهر إلى جانب أرضه!».

قال سبحانه: ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون * إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيم[الشعراء:88-89] «والقلب السَّليم معناه: الَّذي سلم من الشِّرك والشَّكِّ ومحبَّة الشَّرِّ والإصرار على البدعة والذُّنوب، ويلزم من سلامته ممَّا ذكر اتِّصافه بأضدادها من الإخلاص والعلم واليقين ومحبَّة الخير وتزيينه في قلبه، وأن تكون إرادته ومحبَّته تابعةً لمحبَّة الله، وهواه تابعًا لما جاء عن الله»(31).

وقال ﷺ: «أَلاَ وَإِنَّ فيِ الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ»(32)، فدلَّ على أنَّ أولى الأعضاء بالإقامة والإصلاح، القلب الذي عليه مدار الفوز والفلاح.  

السبب الحادي عشر:
المجاهدة وتعويد النفس عليها

قال ابن القيِّم: «أن يعوِّد باعث الدِّين ودواعيه مصارعة الهوى ومقاومته على التَّدريج قليلاً قليلاً، حتَّى يدرك لذَّة الظَّفر، فتقوى حينئذ همَّته، فإنَّ من ذاق لذَّة شيء قويت همَّته في تحصيله، والاعتياد لممارسة الأعمال الشَّاقَّة يزيد القُوى الَّتي تصدر عنها تلك الأعمال، ولذلك تجد قُوى الحمَّالين وأرباب الصَّنائع الشَّاقَّة تتزايد، بخلاف البزَّاز والخيَّاط ونحوهما، ومن ترك المجاهدة بالكلِّيَّة ضعف فيه باعث الدِّين، وقوي فيه باعث الشَّهوة، ومن عوَّد نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد».

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُم[محمد:17]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِين[العنكبوت:69]، فترك الذَّنب قد يكون عسيرًا في أوَّل الأمر، لكن بالمجاهدة والاستعانة بالرَّبِّ، والأخذ بالأسباب الَّتي تقدَّم بيانها يتيسَّر ويصبح سهلاً على النَّفس، وتنقلب مرارةُ مجاهدة تركه حلاوةً في القلب، وانشراحًا في الصَّدر، والمعصوم من عصمه الله، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله.



(1) رواه التِّرمذي عن أنس رضي الله عنه (2260)، وهو صحيح لغيره، انظر: «الصَّحيحة» (957)، وهو الثُّلاثي الوحيد عند التِّرمذي.

(2) رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه (5678).

(3) «المسند» (3578)، والحديث مرويٌّ في «السُّنن» وغيرها من طرق، وله ألفاظ.

(4) «الدَّاء والدَّواء» (5)، ط/ عالم الفوائد.

(5) «عدة الصَّابرين وذخيرة الشَّاكرين» (96)، ط/ عالم الفوائد.

(6) «الدَّاء والدَّواء» (9، 11).

(7) صحَّ هذا الأثر مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ، رواه الطَّبراني في «الكبير» (720)، والبيهقي في «الشُّعب» (1121)، وهو حسن لغيره كما في «الصَّحيحة» (1890).

(8) «عدة الصَّابرين» (108 ـ 109).

(9) «الفتاوى» (14/ 320 ـ 321).

(10) «عدة الصَّابرين» (102)، وكذلك ما سيأتي من الأسباب مذكورة فيه (102 إلى 111)، وسأقتصر على هذه الإشارة تفاديًا لتكرار الإحالة.

(11) رواه ابن جرير (34865).

(12) رواه أحمد (3671)، والتِّرمذي (2458)، وهو حسن لغيره كما في «صحيح التَّرغيب» (1724).

(13) رواه أحمد في «الزُّهد» (59)، والبيهقي في «الشّعب» (7738)، وهو صحيح انظر: «الصَّحيحة» (741).

(14) رواه أبو نعيم في «الحلية» (8/ 142).

(15) البيتان لأبي العتاهية.

(16) البيتان مشهوران، ينسبان لابن المبارك والشَّافعي ومحمود الورَّاق.

(17) رواه الطَّبراني في «الصَّغير» (1053)، وهو صحيح انظر: «الصَّحيحة» (2215).

(18) «الدَّاء والدَّواء» (98).

(19) المصدر السَّابق (271 ـ 272).

(20) انظرها مفصَّلة مع أثار أخرى كثيرة لم أذكرها في المصدر السَّابق (132 إلى 286).

(21) رواه البخاري (2475)، ومسلم (57).

(22) صحَّ هذا التَّفسير مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ كما عند أبي داود (4690)، وإسناده صحيح كما قال ابن حجر في «الفتح» (12/ 75)، والألباني في «الصَّحيحة» (509).

(23) «عدة الصَّابرين» (103).

(24) رواه وكيع في «الزُّهد» (356)، ومن طريقه أحمد في «المسند» (23074)، وسنده صحيح على شرط مسلم كما في «السِّلسلة الضَّعيفة» (1/ 61 ـ 62).

(25) رواه الطَّبراني في «الأوسط» (8560)، وابن حبَّان في «صحيحه» (2982)، والبيهقي في «الشُّعب» (10560)، وهو حسن كما في «صحيح الجامع» (1211).

(26) رواه مسلم (2878).

(27) «عدة الصَّابرين» (423 ـ 424).

(28) رواه التِّرمذي (2320)، وابن ماجه بنحوه (4110)، وهو صحيح لغيره كما في «الصَّحيحة» (686).

(29) رواه أحمد (2744)، والطَّبراني في «الكبير» (11898)، وابن حبَّان (6352)، والحاكم (7858)، وهو مخرّج في «الصَّحيحة» (439).

(30) «عدة الصَّابرين» (449).

(31) «تيسير الكريم الرَّحمن» (564).

(32) رواه البخاري (52)، ومسلم (1599).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 25»