أنت هنا:قضايا تربوية»أهمية السلامة والعافية للفرد والمجتمع

أهمية السلامة والعافية للفرد والمجتمع

  • عبدالمجيد تالي
تم قراءة المقال 536 مرة

 

إنَّ السَّلامة والعافية في الدِّين والدُّنيا أمر ضروريٌّ لا تستقيم بدونهما مصالح النَّاس في معاشهم ولا في معادهم، بل لا حياة ولا فلاح إلا بهما، فهما نعمتان عظيمتان من حازهما حاز خيرًا عظيمًا، ومن حُرِمَهُما فهو محروم.

أمَّا الأولى: فبها ينتفع العبد بحياته؛ لأنَّ «انتفاع العبد بحياته إنَّما يحصل بشيئين: بسلامته من الشَّرِّ، وحصول الخير، والسَّلامة من الشَّرِّ مقدَّمة على حصول الخير وهي الأصل(1)، فإنَّ الإنسان بل وكلُّ حيوان إنَّما يهتمُّ بسلامته أوَّلا وغنيمتِه ثانيًا»(2).

أمَّا الثَّانية: فالَّتي قال فيها النَّبيُّ المصطفى ﷺ: «لَمْ تُؤْتُوا شَيْئًا بَعْدَ كَلِمَةِ الإِخْلاَصِ مِثْلَ العَافِيَةِ، فَاسْأَلُوا اللهَ العَافِيَةَ»(3).

لذا كان من هديه الكريم ﷺ: سؤال الله العفو والعافية والمعافاة في الدِّين والدُّنيا، بل وفي خاصَّة نفسه ﷺ ظاهرًا وباطنًا، كما ثبت ذلك عنه ﷺ من أذكاره اليوميَّة.

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله ﷺ يَدَعُ هؤلاء الدَّعوات حين يصبح وحين يُمْسِي: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ العَافِيَةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ في دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآَمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي»(4).

ولمَّا كانت السَّلامة والعافية بهذه المثابة في الحياة البشريَّة الدِّينِيَة والدُّنيويَّة، كان السَّعي في ضدِّهما والتَّعريض بهما من الأمور المنكرة شرعًا والمقبوحة فطرة، سواء في الزَّمان أو المكان.

فعن عبد الله بن أبي أَوْفَى رضي الله عنهما أنَّ رسول الله ﷺ في بعض أيَّامه الَّتي لقي فيها العدوَّ انتظر حتَّى مالت الشَّمس ثمَّ قام في النَّاس خطيبًا قال: «أَيُّهَا النَّاسُ! لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ»(5).

وعن النَّضْر بن أنس قال: قال أنس رضي الله عنه: لولا أنِّي سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «لا تَتَمَنَّوْا المَوْتَ» لَتَمَنَّيْتُ(6).

وقال ﷺ في الطَّاعون: «إِذَا سَمِعْتُمْ بهِ بأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»(7).

فهذه أحاديث ثلاث ينتظمها سلك واحد وهو: عدم تمنِّي المكروهات والتَّصدِّي للمحذورات(8)؛ لأنَّ تمنِّي ذلك يتضمَّن أمرين: أحدهما: استدعاء البلاء، والثَّاني: ادِّعاء الصَّبر، وما يدري الإنسان كيف يكون صبره على البلاء؟(9) ولمَّا كانت الأمور المُقَدَّرة عند النَّفس ليست كالأمور المحقَّقة لها خشي أن لا تكون عند التَّحقيق كما ينبغي فكره تَمَنِّي ذلك(10).

قال الحسن البصري رحمه الله: «النَّاس ما داموا في عافية مسرورين، فإذا نزل البلاء؛ صاروا إلى حقائقهم؛ فصار المؤمن إلى إيمانه، والمنافق إلى نفاقه»(11).

فالواجب على المرء «توقِّي المكاره قبل نزولها، وتجنُّب الأشياء المخُوفة قبل هجومها»(12)، كما أنَّ الواجب عليه أن يتأنَّى في أموره، وينظر في عواقبها؛ لأنَّ الفقيه من نظر في العواقب، ولم تستفزَّه البداءاتُ.

ولنضرب لذلك مثلين من سير السَّالفين من الصَّحابة الكرام؛ فإنَّهم خير من قَعَّد ووجَّه لهذا النَّظر:

ـ أمَّا المثال الأوَّل: فعن عبد الرَّحمن بن جبير ابن نُفَيْر عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد ابن الأسود يومًا، فمرَّ به رجل، فقال: طوبى لهاتين العينين اللَّتين رأتا رسول الله ﷺ، والله لوددنا أنَّا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدتَّ؛ فاستُغْضِب، فجعلت أعجب، ما قال إلا خيرًا، ثمَّ أقبل إليه فقال: «ما يَحْمِلُ الرَّجل على أن يَتَمَنَّى مَحْضَرًا غَيَّبَهُ الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه، والله لقد حضر رسول الله ﷺ أقوام أكبَّهم الله على مناخرهم في جهنَّم لم يجيبوه ولم يصدِّقوه، أَوَلاَ تحمدون الله إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربَّكم، مُصدِّقين لما جاء به نبيُّكم، قد كفيتم البلاء بغيركم، واللَّه لقد بعث الله النَّبيَّ ﷺ على أشدِّ حال بُعِثَ عليها فيه نبيٌّ من الأنبياء في فترة وجاهليَّة، ما يرون أنَّ دينًا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرَّق به بين الحقِّ والباطل، وفرَّق بين الوالد وولده حتَّى إن كان الرَّجل ليرى والده وولده أو أخاه كافرًا، وقد فتح الله قُفْلَ قلبه للإِيمان، يعلم أنَّه إن هلك دخل النَّار، فلا تقرُّ عينُه وهو يعلم أنَّ حبيبه في النَّار، وأنَّها لَلَّتي قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ[الفرقان:74]»(13).

ـ وأمَّا الثَّاني: فعن إبراهيم التَّيمي عن أبيه ـ وهو يزيد بن شريك بن طارق التَّيمي ـ قال: كنَّا عند حذيفة فقال رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلتُ معه وأبليتُ، فقال حذيفةُ: «أنت كنتَ تفعلُ ذلك؟ لقد رأيتُنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب وأخذتْنَا ريح شديدة وقرٌّ، فقال رسول الله ﷺ: «أَلاَ رَجُلٌ يَأْتِينِي بخَبَرِ الْقَوْمِ، جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ القِيَامةِ؟» فسكتنا، فلم يُجبهُ منَّا أحدٌ، ثمَّ قال: «أَلاَ رَجُلٌ يَأْتِينَا بخَبَرِ القَوْمِ، جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ القِيَامَةِ؟» فسكتنا، فلم يجبه منَّا أحدٌ، ثمَّ قال: «أَلاَ رَجُلٌ يَأْتِينَا بخَبَرِ القَوْمِ، جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ القِيَامَةِ؟» فسكتنا، فلم يجبه منَّا أحدٌ، فقال: «قُمْ يَا حُذَيْفَةُ فَأْتِنَا بخَبَرِ القَوْمِ...» الحديث رواه مسلم (1788).

فهذان الأثران يصوِّرانِ لنا جانبًا ممَّا كان عليه سلفنا الصَّالحُ في حرصِهم على سلامةِ دينهم ودنياهم، وعدمِ تطلُّعِهم وتشوُّفِهم لشهود المهالك وركوبِ المخاطرِ ممَّا قد غَيَّبَهم الله عنه.

فالأوَّل: بيَّن لنا حال رجل غبطَ المقدادَ رضي الله عنه وقرنه على رؤيتِهم نبيَّهم ﷺ، وشهودهم أيَّامه فأنكر عليه المقداد رضي الله عنه تمنِّيه وغِبطَتَه، بل وغضبَ عليه حتَّى استعجب بعض الجلساء من إنكاره عليه، وهو جبير بن نفير رحمه الله، ثمَّ أخبره المقداد رضي الله عنه بعواقب تمنِّيه وحرصه على شهود ما غيَّبه الله عنه، ومذكِّرًا إيَّاهُ بأقوام منَّ الله عليهم بشهود ما تمنَّاه لكنَّهم لم ينتفعوا بما حضروا ولا بما شاهدوا، بل كانت تلك الأيَّام نقمة عليهم وخسرانًا لهم في الدُّنيا والآخرة، بسبب عدم إيمانهم وتصديقهم بنبيِّهم ﷺ.

ثمَّ ذكَّره بالنِّعمة العظمى والمنَّة الكبرى على هذه الأمَّة الَّتي غفل عنها كثير من أبناء هذه الأمَّة، وهي: نعمة الإسلام بقوله: «أولا تحمدون الله إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربَّكم، مصدِّقين لما جاء به نبيُّكم، قد كفيتم البلاء بغيركم...» الحديث.

وأمَّا الثَّاني: فبيَّن لنا حال رجل ادَّعى أمام حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه أنَّه لو شهد النَّبيَّ ﷺ لبالغ في نصرته، ولزاد على الصَّحابة رضي الله عنهم ـ وعند ابن إسحاق(14) عن محمَّد بن كعب القُرظِي قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيتُم رسول الله ﷺ وصحبتُمُوه؟ قال: «نعم يا ابن أخي»، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: «والله لقد كنَّا نجتهد»، قال: والله لو أَدْرَكْنَاه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا ـ فأجابه حذيفة رضي الله عنه منكرًا لمقالته تلك، كما سبق في رواية مسلم: «أنت كنت تفعل ذلك؟» قصد بذلك زجره عن ظنِّه أنَّه يفعل أكثر من فعل الصَّحابة(15) رضي الله عنهم مذكِّرًا إيَّاه بما وقع له ولهم يوم الأحزاب من هول وخطبٍ، وقيل في وجه إنكاره: يحتمل أنَّه إنَّما أنكر؛ لأنَّه أمر مغيَّب لو حضره لأمكن أن يعجز، كما سكت القوم ولم يجبه أحد لعِظَم المشقَّة مع أنَّهم أحرص النَّاس على عمل البرِّ، لا سيما مع ضمان رسول الله ﷺ بقوله: «جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ القِيَامَةِ؟»(16).

لذا وقع عند البيهقي في «الدَّلائل» (3/ 451) من حديث عبد العزيز بن أخي حذيفة قال: ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله ﷺ، فقال جلساؤُه: أما والله لو كنَّا شهدنا ذلك لفعلنا وفعلنا؛ فقال حذيفة: «لا تَمَنَّوْا ذلك» فذكر الحديث.

وله (3/ 454) من حديث زيد بن أسلم مولى عمر ابن الخطَّاب أنَّ رجلا قال لحذيفة: يا حذيفة، نشكُو إلى الله صحبتَكم رسول الله ﷺ، وأنَّكم أدركتمُوه ولم ندركه، ورأيتمُوه ولم نره، فقال حذيفة: «ونحن نشكُو إلى الله عز وجل إيمانَكم به ولم تَرَوهُ، والله ما ندري يا ابن أخي لو أدركتَه كيف كنتَ تكون؟...» الحديث.

هذه نظرة القوم ـ أعني: حذيفة والمقداد وصَحْبَهما ـ لأوضاعهم وتقديرهم لمطالبهم الدِّينيَّة والدُّنيويَّة، وأمَّا حالة العامَّة الأغمار في هذه الأزمان الَّذين لم تُضْرِسْهُم أوضاعهم ولا حنَّكتهم التَّجارب، تجدهم إذا ظهرت مخايِلُ فتنة ـ نسأل الله العافية ـ استشرفوا لها وتمنَّوا خوضها، وربَّما تألَّى بعضهم وقال: والله لئن حضرتُها لأفعلنَّ وأفعلنَّ.

بل ترى المغفَّلين والجاهلين منهم: يسعون في طمس مقوِّماتهم الدِّينيَّة والدُّنيويَّة بإثارتهم الفتن بين أبناء جلدتهم، بل وحرصهم على خوضها وإشاعتها بينهم جهلا منهم بمقدِّرات الأمور، وما يترتَّب عليها من فساد وشرٍّ في العقبى، وما علم هؤلاء المساكين أنَّ الدِّين: ليس بالفطنة والكيس فحسب، وإنَّما الدِّين: باتِّباع الهدي ومعرفة واجب الوقت.

وما حال الأمَّة الإسلاميَّة في هذه الأزمان وما يعصف بها من فتن وشقاق، وتكالب وتقاتل على حطام الدُّنيا، إلا نِتَاجُ هذه الأفكار والعقليَّات الَّتي لم تُضبط بضوابط الشَّرع، ولم تُزمَّ بزمام المنهاج الحقِّ.

فما نسمعه في وسائل الإعلام ـ سواء كانت مقروءة أو مرئيَّة ـ من نداءات ودعوات أو ادِّعاءات جوفاء، من أشباه الدُّعاة وأنصاف العلماء والمتعلِّمين أو الإعلاميِّين، ما هو إلا صورة من صور هذه الذِّهنيَّات البائدة عن معالم الشَّرع الحنيف ومقاصده الرَّاشدة، وذلك كلُّه باسم المصلحة زعموا، أو باسم تحقيق حكومة راشدة بله خلافة راشدة ظنُّوا؛ تَلبيسًا وتدليسًا وتلاعبًا بعواطف أبناء الأمَّة الإسلاميَّة، وزجًّا بهم في مستنقعات الفتن، ومتاهات الضَّلال والانحراف عن جادَّة الطَّريق.

إنَّ ما مرَّت به الأمَّة الإسلاميَّة من إحن ومحن في سالف الأزمان وغابرها، وما تمرُّ به في هذا الزَّمان من حراك شعوبِيٍّ في بعض بلادها من شرقها إلى غربها، باسم التَّغيِير ومكافحة الفساد زعموا، وما نتج عن ذلك من فساد عريض في الدِّماء والأموال، وما يترتَّب عنه من آثار سلبيَّة عن مستقبل الأمَّة الإسلاميَّة في مشاريعها الدِّينيَّة والدُّنيويَّة، إنَّ ذلك كلَّه لكاف لاستخلاص الدُّروس والعبر لبناء أمَّة إسلاميَّة قويَّة على مستوى أفرادها ومجتمعاتها قبل حكَّامها وحكوماتها؛ أمَّة قائمة على كتاب ربِّها وسنَّة نبيِّها ﷺ مع الفهم الصَّحيح فيهما.

ولقد قيل: «لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهليَّةَ(17(18)، قال ابن قيِّم الجوزيَّة رحمه الله: «ولهذا كان الصَّحابة أعرف الأمَّة بالإسلام وتفاصيله، وأبوابه وطرقه، وأشدَّ النَّاس رغبة فيه، ومحبَّة له، وجهادًا لأعدائه، وتكلُّمًا بأعلامه، وتحذيرًا من خلافه؛ لكمال علمهم بضدِّه، فجاءهم الإسلام كلُّ خصلة منه مضَّادَّة لكلِّ خصلة ممَّا كانوا عليه، فازدادوا له معرفة وحبًّا، وفيه جهادًا؛ بمعرفتهم بضدِّه، وذلك بمنزلة من كان في حصر شديد وضيق ومرض وفقر وخوف ووحشة، فقيَّض الله له من نقله منه إلى فضاء وسعة وأمن وعافية وغنًى وبهجة ومسرَّة، فإنَّه يزداد سروره وغِبطَتُه ومحبَّتُه بما نُقِل إليه بحسب معرفته بما كان فيه.

وليس حال هذا كمن ولد في الأمن والعافية والغنى والسُّرور؛ فإنَّه لم يشعر بغيره، وربَّما قُيِّضت له أسباب تخرجه عن ذلك إلى ضدِّه وهو لا يشعر، وربَّما ظنَّ أنَّ كثيرًا من أسباب الهلاك والعطب تفضي به إلى السَّلامة والأمن والعافية، فيكون هلاكه على يدي نفسه وهو لا يشعر.

وما أكثر هذا الضَّرب من النَّاس! فإذا عرف الضِّدين، وعلم مباينة الطَّرفين، وعرف أسباب الهلاك على التَّفصيل كان أحرى أن تدوم له النِّعمة ما لم يُؤْثِر أسباب زوالها على علم، وفي مثل هذا قال القائل:

عـرفـت الشَّـرَّ لا لـلـشَّر لكـن لـتـوقِّـيـه    ومن لا يعرف الشَّرَّ من النَّاس يقع فيه

وهذه حال المؤمن؛ يكون فطنًا حاذقًا، أعرف النَّاس بالشَّرِّ، وأبعدهم منه، فإذا تكلَّم في الشَّرِّ وأسبابِه ظننته من شرِّ النَّاس، فإذا خالطته وعرفت طويَّته رأيته من أبرِّ النَّاس.

والمقصود أنَّ من بلي بالآفات صار من أعرف النَّاس بطرقها، وأمكنه أن يسدَّها على نفسه وعلى من استنصحه من النَّاس ومن لم يستنصحه»(19).

وختامًا فعلى أبناء الأمَّة الإسلاميَّة أن يغتنموا مواطن الأمن والسَّلامة، وأن يفيدوا الدُّروس والعبر ممَّا مرَّت به أمَّتهم سلفًا، وما يجري لها خلفًا، وأن لا يكونُوا أبناء عشريَّات(20)، وفَّق الله الجميع لما فيه الخير والصَّلاح في الدُّنيا والآخرة.

 



(1) ولأجل هذا الأصل كان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حريصًا عليه، فقال رضي الله عنه فيما اتَّفق عليه الشَّيخان: «كان النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عن الخَيرِ وكُنْتُ أَسأَلهُ عن الشَّرِّ مَخَافَةَ أَن يُدرِكَنِي» الحديث.

(2) «أحكام أهل الذِّمَّة» (1/ 420).

(3) رواه أحمد (10) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(4) رواه أحمد (4785)، وأبو داود (5074).

(5) متَّفق عليه البخاري (2965)، مسلم (1742).

(6) متَّفق عليه البخاري (7233)، مسلم (2680).

(7) متَّفق عليه البخاري (5729)، مسلم (2219) من حديث عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما.

(8) انظر: «شرح صحيح البخاري» لابن بطَّال (10/ 292).

(9) انظر: «كشف المشكل من حديث الصَّحيحين» (3/ 429 ـ 430).

(10) انظر: «إحكام الأحكام» لابن دقيق العيد (2/ 300).

(11) «المجالسة وجواهر العلم» للدِّينَوَرِيِّ (1917) ط/ مشهور حسن.

(12) أفاده الطَّبري: نقلا عن «الزَّواجر في اقتراف الكبائر» للهيتمي (3/ 180).

(13) أخرجه أحمد في «المسند» (23811)، والبخاري في «الأدب المفرد» (87)، وصحَّح إسناده الشَّيخ الألباني في «الصَّحيحة» (2823).

(14) قال الحافظ ابن كثير: في «البداية والنِّهاية» (6/ 64) ط/ التُّركي: «وهذا منقطع من هذا الوجه».

(15) انظر: «شرح النَّووي على صحيح مسلم» (12/ 145).

(16) انظر: «شرح الأبِّي على صحيح مسلم» (5/ 130).

(17) قال ابن القيِّم رحمه الله: «كلُّ ما خالفَ ما جاءَ به الرَّسول ﷺ فإنَّه من الجاهليَّة؛ فإنَّها منسوبةٌ إلى الجهل، وكلُّ ما خالف الرَّسول فهو من الجهل» «فوائد الفوائد» (164).

(18) يروى عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: «إنَّما تنقضُ عُرَى الإسلامِ عروة عروةً إذا نشأَ في الإسلام مَنْ لا يعرفُ الجاهليَّة» ذكر ذلك كلٌّ من شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله في «الفتاوى» (10/ 301) و(15/ 54)، و«منهاج السُّنَّة» (2/ 398) و(4/ 590) ط/ رشاد سالم، وتلميذه ابن قيِّم الجوزيَّة رحمه الله في «الفوائد» (202) ط/ مكتبة دار البيان، و«مفتاح دار السَّعادة» (2/ 288)، ولم أقف عليه مسنَدًا، والعلم عند الله.

(19) «مفتاح دار السَّعادة» (2/ 288 ـ 289).

(20) أقصد: عَقْدًا من الزَّمن في أمنٍ واطمئنانٍ، وعَقدًا في هرجٍ ومرجٍ.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 27»