أنت هنا:الحديث وعلومه»الحرص على الـمال

الحرص على الـمال

  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 1725 مرة

 

عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:
قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:

«لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يُبَالي المرْءُ بِمَا أَخَذَ المَالَ، أَمِنْ حَلاَلٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ»(1).

 

فهذا الخبر الصَّحيح يحمل في معناه كما يقول العلماء: «خبرًا وإرشادًا».

أمَّا الخبر؛ فالنَّبيُّ ﷺ يخبر عن آخر الزَّمن وكثرة الفساد وانتشار الباطل وظهور المنكر، فيقلُّ الخيرُ وأسبابُه، ويكثر الشَّرُّ وأسبابه، وتكثر الفتن المُضِلَّة، فتن الشُّبهات والشُّكوك والإلحاد، وفتن الشَّهوات والملَذَّات، وينصرف الخلقُ إلى الدُّنيا ويتكالبون عليها، وينشغلون بها عن كلِّ شيء فتتحوَّل الهمم إلى جمع المال وتحصيله بكلِّ سبيل، وطلبه من أيِّ طريق، من غير التفاتٍ إلى ما يحرم منه وما يحلُّ، وهذا دليلٌ على ضَعفِ الدِّين وقلَّة الإيمان، وفي هذا كلِّه بعضُ دلائل نبوَّته، إذ الواقع اليوم خيرُ شاهدٍ على ذلك، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله.

وأمَّا الإرشاد؛ فإنَّه ﷺ أراد أن يحذِّر أمَّته من هذا الحال المهلك الرَّدي، والخلُق غير السَّوي، وأنَّ المسلم لا ينفكُّ عن إيمانٍ يحملُه على الخوف من الله تعالى ومراقبته، فيأتي أوامره ويجتنب نواهيه، ويتحرَّى الكسبَ الحلال، ويَنْأَى عن المال الحرام.

وبعد هذا الإجمال، يُقال تفصيلاً:

إنَّ المال هو عصَب الحياة، فكما أنَّ بقاء البشر على هذه الأرض منوط بالنَّسل، فكذلك قِوام العيش والأنْفُس وعمارة الأرض وبناء الحضارة فيها منوطٌ بالمال، وقد جعله الله تعالى زينةَ الحياة الدُّنيا، فقال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا[الكهف:46].

وعلى المال قام سوقُ المروءَة، وبه ظهرت صفَة السَّخاء والجود، وبه وُقيت الأعراض، وبه اكتُسِب الإخوان والأصدقاء، وبه توصَّل الأبرار إلى الدَّرجات العُلَى، وكان بعض السَّلف يقول: «لا مجدَ إلاَّ بفعال، ولا فِعالَ إلاَّ بمال».

لأجل هذا أمرَ الله تعالى بحفظه وعدم تَبْدِيده؛ فقال: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً[النساء:5]، أي قوامًا لمعاشكم، وفي «الصَّحيحين» قال ﷺ: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ».

وفي «المسند» (17763) وغيره بسند صحيح، قال عَمْرو بن العَاصِ : «بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: خُذْ عَلَيْكَ ثِيَابَكَ وَسِلاحَكَ ثُمَّ ائْتِنِي، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَصَعَّدَ فِيَّ النَّظَرَ ثُمَّ طَأْطَأَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ فَيُسَلِّمَكَ اللَّهُ، وَيُغْنِمَكَ وَأَرْغَبُ لَكَ مِنْ المَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً؛ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!مَا أَسْلَمْتُ مِنْ أَجْلِ المَالِ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ رَغْبَةً في الإِسْلامِ، وَأَنْ أَكُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ: يَا عَمْرُو!نِعْمَ المَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ».

لذا حملت صحائف الكتب كلماتٍ لأئمَّة السَّلف رائقة في التَّرغيب في جمع المال واقتنائه من طرُقه المشرُوعة، وطلبه بنفس غير مفزوعة، ليُصان به العِرض والدِّين، وتُقضى به الحاجات والدَّين، فأُثر عن سعيد بن المسيِّب رحمه الله أنَّه ترك دنانير، فقال: «اللَّهم إنَّك تعلم أنِّي لم أجمعها إلاَّ لأصُونَ بها دِيني وحَسَبي، لا خير فيمن لا يجمعُ المالَ فيقضي دَينه، ويكفَّ به وجهه»(2).

وقال أبو إسحاق السَّبيعي رحمه الله: «كانوا يرون السَّعة عونًا على الدِّين».

وكان سفيان الثَّوري رحمه الله يقول: «المال في هذا الزَّمان سلاحٌ»(3).

بل قال ابن الجوزي في كتابه «صيد الخاطر» (ص165): «ليس في الدُّنيا أنفع للعلماء من جمع المال للاستغناء عن النَّاس، فإنَّه إذا ضمَّ إلى العلم حيز الكمال»، وقال: «ومن الحزم جمع المال وادِّخاره لعارض حاجة من ذلك».

والإنسان قد جُبل على حبِّ المال وجمعه، وتعلُّق قلبه به إذ وصفَه خالقُه عز وجل فقال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا[الفجر:20].

قال البغوي رحمه الله: «أي كثيرًا، يعني: تُحبُّون جمع المال وتولَعُون به».

وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد[العاديات:8]، والخير هنا: المال باتِّفاق المفسِّرين، قال ابن جُزَي رحمه الله: «والمعنى أنَّ الإنسانَ شديد الحبِّ للمال، فهو ذمٌّ لحبِّه والحرصِ عليه».

وعن أنس رضي الله عنه قال ﷺ: «لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلاَ يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ الله عَلَى مَنْ تَابَ»(4).

والعجيب في الأمر أنَّ هذا الحبَّ يكبر وينمو في قلب العبد كلَّما امتدَّ به العمر وتقدَّم به السِّنُّ، قال النَّبيُّ ﷺ: «يَكْبَرُ ابنُ آدَمَ ويَكْبَرُ مَعَهُ اثْنتَان: حبُّ المالِ، وطولُ العُمُرِ»(5).

ومن هنا كان من أعظم الامتحان للنَّفس أن يجاهد المرء بماله ويبذله في سبيل إرضاء الله على حساب نفسه التَّوَّاقة لهذا المال، ولينفق منه قدر وُسعه لينال رضا ربِّه، قال الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ[آل عمران:92]، ومن أحبِّ الأشياء إلى العبد أمواله، ومن لوازم الإيمان أن يكون الله تعالى فوق كلِّ محبوباته، فلا يصرفه حبُّ المال وجمعُه والحرصُ عليه عن ربِّه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون[المنافقون:9].

وممَّا ينبغي أن يُعلم أنَّ هذا الحبَّ للمال على نوعين:

حُبٌّ لا يُؤاخذ عليه المرء، وهو الحبُّ الَّذي جُبل عليه ابن آدم، وفُطرت عليه نفسُه، ولا يستطيع الانفكاك منه؛ فالنَّفس تعشق المال وتتُوق إليه.

وحبٌّ يُذمُّ عليه صاحبه ويُلام، وهو الحبُّ الَّذي يُلهي ويُطغي ويُنسي، ويجُرُّ إلى الظُّلم والآثام والمعاصي، ويدفع إلى الشُّحِّ والبخل والطَّمَع والتَّعدِّي، ويصرف عن الخيرات، ويصدُّ عن الطَّاعات، ويُشغِل عن القُربات، ويحولُ بينَك وبين النَّفقات والصَّدقات، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فَاَلَّذِي يُعَاقَبُ الرَّجُلُ عَلَيْهِ الحُبُّ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ المَعَاصِيَ، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الظُّلْمَ وَالكَذِبَ وَالفَوَاحِشَ، وَلا رَيْبَ أَنَّ الحِرْصَ عَلَى المَالِ وَالرِّيَاسَةِ يُوجِبُ هَذَا..» إلى أن قال: «فَأَمَّا مُجَرَّدُ الحُبِّ الَّذِي في القَلْبِ إذَا كَانَ الإِنْسَانُ يَفْعَلُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وَيَتْرُكُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَيخَافُ مَقَامَ رَبِّهِ، وَيَنْهَى النَّفْسَ عَنْ الهَوَى، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُعَاقِبُهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَمَلٌ؛ وَجَمْعُ المَالِ إذَا قَامَ بِالْوَاجِبَاتِ فِيهِ، وَلَمْ يَكْتَسِبْهُ مِنْ الحَرَامِ لا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ»(6).

والمقلِّب نظرَه في أحوال النَّاس اليوم يجد أنَّ كثيرًا منهم، قد تعلَّقت قلوبُهم بالمال ومالت إليه نفوسهم، وأحبُّوه حبًّا إلى حدِّ الجنون، حتَّى ملك عليهم عقولهم، وأخذ بألبابهم، وسيطر على تفكيرهم، وأضحَى الغايةَ الَّتي لا تُترك، والأملَ الَّذي يجبُ أن يُدرك، وباتوا أسرى طلبِه، وشغلهم الشَّاغل للظَّفر به، ممَّا دفع بهم إلى السَّطو على حدُودِ الله ومحارمه، واقتحام كلِّ محظور شرعًا ونظامًا لأجل تحصيله، وصدق رسولُ الله ﷺ حين قال: «إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي المَالُ»(7).

فكم من شابٍّ مستقيم على الجادَّة جرفه حبُّ المال والافتتان به إلى عالم الموبقات.

وكم من امرأة شريفة عفيفة انغمست في عالم الشَّهوات بسبب المال.

وكم من رَجُلَيْن كانَا على ودٍّ وحبٍّ وصفاء ففرَّقهما المال.

وكم من ابنٍ عقَّ والدَه وقطع صلتَه به لأجل دُرَيْهِمات حَرَمَه منها.

وكم من أرحام قُطعت، وكم من أَنْفُسٍ زُهقت، وكم من أعراض انتهكت، وكم من حقوق ضيِّعت، بسبب الحرص على المال.

وكم من موظَّف أمين حمله حبُّ المال على الخيانة والتَّزوير.

وكم من صانع تعوَّد الغشَّ والخداع في صَنعته لأجل المال.

وكم من بائع حمله الحرص على المال على الكذب والتَّدليس؟! وهلمَّ جرًّا.

فالواقع اليوم ـ وللأسف الشَّديد ـ أنَّ كثيرًا من المسلمين لا يكترث أحدُهم لشدَّة حبِّه المال بأيِّ الطَّريقين حصل له بالحلال أم بالحرام، بل إنَّ الأمر عنده سيَّان، واستوى في نظره الأمران، ولم يفرِّق بين الخبائث والطَّيِّبات، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ الله يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون[المائدة:100]، قال ابن كثير رحمه الله: «يعني: أنَّ القليل الحلال النَّافع خيرٌ من الكثير الحرام الضَّار، كما جاء في الحديث: «ما قَلَّ وكَفَى، خَيْرٌ ممَّا كَثُر وألْهَى»».

ولا أظنُّ أنَّ مسلمًا يخفى عليه أنَّ الشَّرع الحكيم حثَّ النَّاس على ألاَّ يأكلوا ويلبسوا ويشربوا ويأخذوا من المال إلاَّ ما كان حلالا طيِّبًا، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ[المائدة:4]، وقال النَّبيُّ ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا؛ وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم[المؤمنون:51]؛ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]..» الحديث(8).

وفي «صحيح البخاري» (6733) عن جندب ابن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَأْكُلَ إِلاَّ طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ».

وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ[النساء:2]، قال مجاهد: «الحلال بالحرام»(9)، وقال أبو صالح في معناها: «لا تعْجل بالرِّزق الحرام قبل أن يأتيك الرِّزق الحلال الَّذي قدِّر لك»(10).

ولمَّا خفَّت ديانةُ النَّاسِ اليوم، لم يعدْ وصفُ الخُبث والطيِّب مؤثِّرًا، ولا وصف الحلال والحرام معتبرًا، إذْ بات الحلالُ عند كثير منَّا ما حلَّ في يده، والحرامُ ما لم يستطع تحصيلَه، وهو حريصٌ على إيقاعه في يده، يأخذُ المال بالرِّبا، ويستحلُّ الرّشوة، ويأخذُ المال ثمنًا لما حرَّم الله من السِّلع، ويطفِّفُ في المقاس والكيل والميزان، ويدخلُ في شركات مشبُوهةٍ ومعاملاتٍ ممنوعةٍ، ويفرحُ بالفوائد والأرباح، ولا يكلِّفُ نفسَه عناءَ سؤال أهلِ العلمِ عمَّا يُباح منها وما لا يُباح، بل قد لا يحبُّ أن يصلَ إلى سمعِه كلامُ أهل العلم خَشيةَ أن يُفسِدُوا عليه تلك الأموال، ويُسمعوه أنَّ صاحبها لا يجني منها سوى الوبال، والَّذي تضحك منه الثَّكلى أنَّ بعضهم يحتجُّ عليك بانتشار هذه المعاملات في النَّاس، وكأنَّه يريد أن يقول: لا محذورَ فيها ولا باس؛ وما علم الجاهل المسكين أنَّ انتشار الحرام وذيوعه لا يصيِّره حلالاً، فالحلال ما أحلَّه الله ورسوله ﷺ، والحرام ما حرَّمه الله ورسوله ﷺ.

وهذا الحبُّ للمال الَّذي يصل بالعبد إلى درجة أن يقفَ ذليلاً أمامَ الدِّينار والدِّرهم لا يستطيع حَراكًا مستشرفًا بقلبه وروحه، مشرئبَّة عنقه تكاد توقف نبضات قلبه حتَّى يناله، يغمره الفرح والسُّرور إذا دخل في حوزتِه وسكن في جيبه، وتنقبض نفسه إذا خرج من يدِه، وانتقل إلى غيره، فيُخشى على من كان هذا حاله أن يكون له حظٌّ وافر من قوله ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ»(11)، وصدق من قال: «أذلَّ الحرصُ أعناقَ الرِّجالِ».

فالمال لابدَّ منه للإنسَان، يقضي به حاجاته، ويقي به عرضه، فيتداوله بيده ولا يُسكنه في قلبه، ويأخذه بسخاوة نفسٍ، من غير فزعٍ ولا هلعٍ ولا جزع، مطمئنٌّ بأنَّه نصيبه مِنْ رزقِ الله الَّذي كتبه الله له وهو في بطن أُمِّه، فالمال وسيلة من الوسائل، وأداةٌ لبلوغ الغايات والوصول إلى المقاصد، «فيكون المال عنده يستعمله في حاجاته، بمنزلة حماره الَّذي يركبه وبساطه الَّذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الَّذي يقضي فيه حاجته من غير أن يستعبده»(12).

وقال ابن الجوزي رحمه الله في «صيد الخاطر»: (1 /97) «لا يُنكر أن الطِّباع تحبُّ المال؛ لأنَّه سبب بقاء الأبدان، لكنَّه يزيد حبُّه في بعض القلوب حتَّى يصير محبوبًا لذاته، لا للتَّوصُّل به إلى المقاصد».

وإن كانت سُبل جمع المال اليوم كثير منها محفوف بالشُّبهات، بل بالحرام الصَّريح، لقلَّة التَّقوى والورع في النَّاس، إلاَّ أنَّ الَّذي يُسلِّي المؤمنَ في هذه الغربة الحالكة، هو ورود كلمات عن بعض أعلام السَّلف في القرون الأولى تُنْبِئُ على عزَّة المال الحلال وندرة الدِّرهم الخالي من الشُّبهة في تلك الأزمان(13)، روي عن الحسن البصري رحمه الله قوله: «كسب الدِّرهم الحلال أشدُّ من لقاء الزَّحف»(14).

وقال يونس بن عبيد رحمه الله: «لو أعلم موضعَ درهم من حلال من تجارة لاشتريتُ به دقيقًا ثمَّ عجنته ثمَّ خبزتُه ثمَّ جففتُه ثمَّ دققتُه أداوي به المرضَى»(15)، فإذا كان هذا في زمان الحسن ويونس بن عبيد وأمثالهما رحمهم الله؛ فما نقول عن زماننا!!

وفي «المعرفة والتَّاريخ» ليعقوب بن سفيان (2 /710) قال: حَدَّثَنَا أبو بكر، حَدَّثَنَا سُفيان قَال: قال أبو سنان: «إنَّ مائدةً بالكُوفة يؤكَلُ عليها درهمُ حلالٍ لغَريبة».

وَرَوَى ابن المبارك في «الزُّهد» وأبو نعيم في «الحلية» (3 /17) عَنْ يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ قَالَ: «ما أعلم شيئًا أقلَّ من درهم طيِّبٍ ينفقه صاحبه في حقٍّ، أو أخٍ يُسكن إليه في الإسلام، وما يزدادان إلاَّ قلَّةً».

وممَّا كان يُتمَثَّلُ به قولهم:

وشيئَان معدُومان في الأرض درهمٌ     حـلالٌ وخِـلٌّ فـي الـمودَّة نـــــاصح

إنَّ المسلم الحقَّ توجب عليه ديانتُه أن يتحرَّى الحلال في كسبه وعمله، ويتجنَّب الحرام ويبذل في ذلك قُصارى جهده، ولا يستهن بشيء من ذلك، ولا يحقرنَّ منه كبيرًا ولا يسيرًا، ولا يتحجَّج بفساد تعامل أهل الزَّمان، وقلَّة الأعوان، ولا بغلاء المعيشة وارتفاع الأثمان؛ لأنَّ كلَّ هذه الأعذار لا تسوِّغ إباحة المحظور.

ولو فتَّشت في الأسباب الحاملة للنَّاس على هذا الحرص المذموم على المال، الَّذي يعمي ويُصِم، ويُهلِك ويَطُم، ويجعل صاحبه لا يفرِّق بين ما يحلُّ وما يحرم، لوجدت أنَّ دافعه أمور من أهمِّها:

s قلَّة الثِّقة في وعد الله تعالى، الَّذي وعد باستيفاء العبد رزقه في هذه الحياة، فالنَّبيُّ ﷺ يقول: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ، فَلاَ تَسْتَبْطِئُوا الرِّزْقَ وَاتَّقُوا اللهَ، أَيُّهَا النَّاسُ! وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ»(16).

* خَشْيَةُ الفقر وتصديقُ وعدِ الشَّيطان، قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَالله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَالله وَاسِعٌ عَلِيم[البقرة:268].

ولله درُّ من قال:

ومن ينفق الأيَّام في جمع ماله     مخافةَ فقر فالَّذي فعل الفقر

s التَّنافس على الدُّنيا، والمباهاة والمكاثرة، وتعظيم شأنها والاستهانة بأمر الآخرة، مع أنَّ القرآن كلَّه على عكس ذلك تمامًا؛ يعظِّم الآخرة، ويحقِّرُ أمر الدُّنيا، من ذلك قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور[الحديد:20]، لذلك حذَّر النَّبيُّ ﷺ من مغبَّة هذا التَّنافس المذموم؛ فقال: «فَوَاللَّهِ، مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»(17).

* الطَّمع وعدم القناعة: ثبت عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كفَافًا، وَقَنعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ»(18).

وعَنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنْ اليَدِ السُّفْلَى»(19).

قلَّة الارتباط الوثيق بالصَّلاة والمحافظة عليها: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلاَّ الْمُصَلِّين * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُون[المعارج:19-23]، فاستثنى الله تعالى المصلِّين من عِداد من خُلق هَلُوعًا، لكن المصلِّي الَّذي لا يضيِّع منها شيئًا، قال الشَّيخ السَّعدي في قوله تعالى: ﴿دَائِمُون: «أي: مداومون عليها في أوقاتها بشروطها ومكمِّلاتها، وليسوا كمن لا يفعلها، أو يفعلها وقتًا دون وقت، أو يفعلها على وجه ناقص».

* التَّطلع والنَّظر إلى ما خصَّ الله به بعضَ عباده من الرِّزق والسَّعة في المال، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ في المَالِ وَالخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ»(20).

وفي «صحيح مسلم» (2963) قَالَ ﷺ: «انْظُرُوا إِلى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلاَ تَنْظُرُوا إِلى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله».

فعلى المسلم أن يجانب هذه الأخلاق المشينة، والصِّفات الرَّديئة، ليُرزق غنى النَّفس، وراحة البال، ولا يجعل همَّه جمع المال وتكثيره فحسب، وليكن همُّه جعل المال وسيلة لرضاء ربِّه والظَّفر بجنَّته، فلا بارك الله في مال تستمتع به في الدُّنيا وتشقى به في الآخرة، لذا تهدَّد النَّبيُّ ﷺ المكثرين من جمع الأموال إلاَّ أهل الصَّدقات والإنفاق، فقال: «وَيْلٌ لِلْمُكْثِرِينَ إِلاَّ مَنْ قَالَ بِالمالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا أَرْبَعٌ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ قُدَّامِهِ، وَمِنْ وَرَائِهِ»(21)، يعني في أبواب الصَّدقة ووجوه البرِّ.

وليعلم هذا الحريص على المال بكلِّ سبيل حلَّت أو حرمت، أنَّه بذلك يهدم أعزَّ شيء عنده وأنفَسَه، وهو دينه، قال ﷺ:«مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ»(22).

يقول ابن رجب رحمه الله في شرح هذا الحديث: «فأخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ حرص المرء على المال والشَّرف إفساد لدينه ليس بأقلَّ من إفساد الذِّئبين لهذه الغنم، بل إمَّا أن يكون مساويًا وإمَّا أكثر، يشير أنَّه لا يسلم من دين المسلم مع حرصه على المال والشَّرف في الدُّنيا إلاَّ القليل، كما أنَّه لا يسلم من الغنم مع إفساد الذِّئبين المذكورين فيها إلاَّ القليل، فهذا المثل العظيم يتضمَّن غاية التَّحذير من شرِّ الحرص على المال والشَّرف في الدُّنيا»(23).

ورحم الله من قال: «شِدَّةُ الحِرْصِ مِنْ سُبُلِ المَتَالِفِ».

واعلم ـ أيُّها الحريص! ـ أنَّ خير المال ما أكسبَ حمدًا وأورث ذُخرًا، وأنَّ شرَّه ما أكسب ذمًّا، وأورث يوم القيامة خوفًا وذعرًا.

واعلم أنَّ المال الحرام يهدم بيت آكله ويخرِّبه، ويهزُّ أركانَ عزِّه ومجدِه ويبدِّدُه، وأنَّ «كُلَّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ» كما قال النَّبيُّ ﷺ (24)، وقريبٌ منك اليوم ما يحدث في أسواق المال الكبرى الَّتي ارتجَّت أركانُها، واهتزَّت عروشها، وتوشك أن تسقط على رؤوس أصحابها، فلم تنفعها النَّظريَّات ولا آراء الرِّجال؛ المخالفة لشرع الله الكبير المتعال، الَّذي قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا[البقرة:275]، فبنوا اقتصادهم على التَّسوية بين ما حرَّم الله وبين ما أحلَّ الله، وظنُّوا أنَّ صمام الأمان للتَّعامل الاقتصاديِّ هو الاعتماد على المعاملة الرِّبويَّة المحرَّمة، فآل أمرهم إلى خسار وخراب، ولله الأمرُ مِنْ قبل ومن بعدُ.

فاجتنِب ـ أيُّها الحريص! ـ في جمعك للأموالِ المسالكَ المعوجَّة والطُّرقَ الملتوِية والحيل المخالفة لأحكام الدِّين، ولا تُقدِم على شيء من المعاملات وطرق الكسب حتَّى تعرف حكم الشَّرع فيها، ولا تتوان عن سؤال العلماء الموثوقين بحثًا عن الحكم الشَّرعي الصَّحيحِ، فمن اتَّقى اللهَ؛ وقاه اللهُ ورَزقه من حيث لا يحتسِب، ومَن ترك شيئًا لله عَوَّضه الله خيرًا منه، وراقبِ اللهَ عز وجل فيما تأخُذ وتدع من الأموال، وتذكَّر أنَّ لك موقفًا بين يدي الملك الدَّيَّان عظيم الأهوال، لا تنفع فيه سوى سلامة القلب وحسن الفعال، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون * إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيم[الشعراء:88-89].

فأنتَ تاركٌ مالك لغيرك، لكنَّ الله سائلك عن دقِّه وجلِّه، كبيره وصغيره، ورحم الله يحيى بن معاذ لمَّا قال: «مصيبتان للعبد في ماله عند موته لا تسمع الخلائق بمثلهما، قيل: ما هما؟! قال: يُؤخذ منه كلُّه، ويُسأل عنه كلُّه»(25).

اللَّهمَّ أغنِنا بحلالك عن حَرامك، وبفضلِك عمَّن سواك، والحمد لله ربِّ العالمين.



(1) أخرجه البخاري (1977)، والنَّسائي (4454).

(2) «الحث على التجارة والصناعة» للخلال (51).

(3) «الحث على التجارة والصناعة» للخلال (20).

(4) أخرجه البخاري (6075) ومسلم (1048).

(5) أخرجه البخاري (6421) ومسلم (1047).

(6) «مجموع الفتاوى» (11 /107 ـ 108).

(7) أخرجه الترمذي (2336)، وقال: «حسن صحيح» وأحمد (17506).

(8) أخرجه مسلم (1015).

(9) «تفسير الطبري» (7 /525) بسند صحيح.

(10) «تفسير الطبري» (7 /526).

(11) رواه البخاري (2730).

(12) قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (10/189).

(13) وقد روي في بعض المصنَّفات حديثا مرفوعا: «سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ لاَ يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ أَعَزّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: أَخٍ يُسْتَأْنَسُ بِهِ، أَوْ دِرْهَمٍ حَلاَلٍ، أَوْ سُنَّةٍ يُعْمَلُ بِهَا»، لكن إسناده ضعيف لا يصحُّ؛ انظر: «الضَّعيفة» (3713).

(14) «الورع» لابن أبي الدنيا (197).

(15) «الورع» لابن أبي الدنيا (198).

(16) أخرجه ابن ماجه (2135)، والحاكم (2 /5)، والبيهقي (10185) من حديث جابر  رضي الله عنه؛  وقال الحاكم: «صحيح الإسناد».

(17) رواه البخاري (2988)، ومسلم (2961).

(18) رواه مسلم (1054).

(19) رواه البخاري (1472)، ومسلم (1035).

(20) رواه البخاري (6125)، ومسلم (2963).

(21)  رواه ابن ماجه (4129)، وهو في «الصحيحة» (2412).

(22) رواه الترمذي (2376)، وهو في «صحيح الجامع» (5620).

(23) «مجموعة رسائل ابن رجب» (1 /64).

(24) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (1 /31)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (5759)، وهو صحيح؛ انظر: «صحيح الجامع» (8648).

(25) «صفوة الصفوة» (4 /92).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 12»