أنت هنا:قضايا منهجية»اتقوا الدماء المعصومة

اتقوا الدماء المعصومة

  • لزهر سنيقرة
تم قراءة المقال 2441 مرة

 

إنَّ الشَّريعة الغرَّاء بكلِّ نصوصها وجميع أحكامها جاءت لدرء كلِّ المفاسد وجلب كافَّة المصالح، فهي شريعة حريصة على درء المفاسد كلِّها وتقليلها وجلب المصالح كلِّها وتكميلها.

وإنَّ حقن الدِّماء المعصومة من أعظم المصالح الَّتي دلَّت نصوص الكتاب والسُّنَّة على جلبها وبيان مكانتها وخطورة الاستهانة بها، بل هي أصلٌ عظيم أكَّده النَّبيُّ ﷺ لأمَّته في حجَّة الوداع حيث قال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» أعادها مِرَارًا، ثمَّ يقول: «أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ»(1).

وقال أيضًا: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ»(2).

وقال: «مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ»(3).

وقال: «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»(4).

فقتال المسلم كفرٌ بنصِّ قوله ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»(5)؛ أراد بهذا الفسق الأصغر والكفر الأصغر، وأطلق العبارة تنفيرًا من هذا العمل المنكر؛ لذا نجد أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَاإلى أن قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ[الحُجُرات:9-10]، فأثبت لهم الإيمان والأخوة.

فلو تأمَّل أيُّ عاقلٍ مثل هذه النُّصوص لخلص إلى أمرين مهمَّين:

الأوَّل: أنَّ أذيَّة المسلم لأخيه مهما كان نوعها فهي شنيعة في الإسلام.

الثَّاني: أنَّ أمر الدِّماء عظيمٌ عند الله، وأنَّ حرمتها وعصمتها لا يمكن لمسلم مهما شذَّ فكره وانتكست مفاهيمه، أن يجد لها مسوغًا في نصوص الشَّرع، بل ولا في العقل أو الفطرة، وأيّ تسويغ يمكن أن يجده مَنْ يعلم عظم حرمة الدِّماء المعصومة ثم يُقْدِم على هتكها؟ كيف يجرؤ على ذلك وهو يسمع ويتلو قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا[النساء:93].

قال الحافظ ابن كثير (3 /377): «وهذا تهديدٌ شديدٌ ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذَّنب العظيم، الَّذي هو مقرون بالشِّرك بالله في غير ما آية في كتاب الله».

وقال الشَّيخ السَّعدي رحمه الله (2 /129): «تقدَّم أنَّ الله أخبر أنَّه لا يصدر قتل المؤمن من المؤمن، وأنَّ القتل من الكفر العمليِّ.

وذكر هنا، وعيد القاتل عمدًا، وعيدًا ترجف له القلوب، وتنصدع له الأفئدة، وينزعج منه أولو العقول.

فلم يرد في أنواع الكبائر، أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله، ألا: وهو الإخبار بأنَّ جزاءه جهنَّم، أي: فهذا الذَّنب العظيم، قد انتهض وحده، أن يجازي صاحبه بجهنَّم، بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين، وسخط الجبَّار وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة والخسار».

فهذا الوعيد الشَّديد الَّذي تضمَّنته هذه الآية الكريمة، يؤيِّده حديث النَّبيِّ ﷺ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ»(6)، وقوله ﷺ: «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ»(7)، وبقوله ﷺ: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا»(8).

وفي هذا وغيرِه دليلٌ جليٌّ وحجَّة واضحة أنَّ الدَّم الحرام أمرُه عند الله عظيمٌ وخطره شديدٌ، فالمؤمن يحال بينه وبين الجنَّة بملء كف مِنْ دمٍ حرام أصابه عَمْدًا، أي: يُمنع من دخولها، فكيف بمن أهراق أنهارًا من دماءٍ معصومة، أو كان سببًا في سَفْكِها أو إراقتها ظلمًا وعدوانًا، من أيِّ طرف كان وبأيِّ حجَّة كانت إلا ما جاء استثناؤه مجملاً في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقِّ[الفرقان:68]، ومفصَّلا في قوله ﷺ: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْس بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّب الزَّانِي، وَالْمَارِق مِنَ الدِّينِ التَّارِك لِلْجَمَاعَةِ»(9).

فإذا واقع المسلم واحدة من هذه الكبائر أقام عليه الإمام حدَّ القتل، وليس هذا إلاَّ للإمام ـ وليِّ أمر المسلمين ـ.

وعودة للآية السَّابقة من سورة النِّساء المتضمِّنة لذلك الوعيد الشَّديد، قال تعالى في الآية الَّتي تليها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ[النساء:94]، فإذا كان تبيُّن أحوال النَّاس واجبًا وقت القتال حتَّى لا يقع المسلم في خطيئة قتلِ مسلم، فكيف بذلك في غيره من الأوقات؟

قال البقاعي(10) ـ في المناسبة بين الآيتين ـ: «ولما تبيَّن بهذا المنع الشَّديد من قتل العمد، وما في قتل الخطأ من المؤاخذة الموجبة للتَّثبُّت، وكان الأمر قد برز بالقتال والقتل في الجهاد ومؤكّدًا بأنواع التَّأكيد، وكان ربَّما التبس الحال، أتبع ذلك التَّصريح بالأمر بالتَّثبُّت جوابًا لمن كأنَّه قال: ماذا نفعل بين أمري الإقدام والإحجام؟».

فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله، وفي زمن رسول الله ﷺ، ومجاهدة أعداء الله، واستعدَّ بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم، أمر بالتَّبيُّن والتَّثبُّت لمن ألقى إليه السَّلام، فما بالك بمن هو دونهم؟!

وتأمَّل سبب نزول هذه الآية وقصَّة هذا الحكم الإلهيِّ.

روى أحمد والتِّرمذي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: «مرَّ رجلٌ من بني سليم بِنَفَرٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ وهو يسوق غنمًا له، فسلَّم عليهم، فقالوا: ما سلَّم علينا إلاَّ ليتعوَّذ منَّا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النَّبيَّ ﷺ فنزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا[النساء:94]».

هؤلاء رضي الله عنهم تأوَّلوا أنَّه ما سلَّم إلاَّ تعوُّذًا، وأنزل الله قرآنًا يُتلى تخطئةً لهم وتحذيرًا لمن بعدهم، وبيانًا لما يجب على المؤمن في مثل هذا الحال من التَّبيُّن والتَّثبُّت حتَّى لا تزهق نفس بغير حقٍّ.

وقد سُئل ابن عبَّاس رضي الله عنهما عمَّن قتل مؤمنًا متعمِّدًا ثمَّ تاب وآمن وعمل صالحًا ثمَّ اهتدى؟ فقال ابن عبَّاس: وأنَّى له التَّوبة؟! سمعت نبيَّكم ﷺ يقول:«يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالقَاتِلِ تَشخبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي، قاَلَ: وَاللهِ لَقَدْ أَنْزَلَهَا اللهُ ثُمَّ مَا نَسَخَهَا»(11).

فهؤلاء خيرُ هذه الأمَّة، أصحاب رسول الله ﷺ، وهم يجاهدون في ساحة القتال، يأمرهم ربُّهم أن يتبيَّنوا، فكيف بمن هو دونهم قدرًا وعلمًا؟ يقحم نفسه في مثل هذه المخاطر ويقدم على استباحة الدِّماء المعصومة، وفي هذا أعظم الدَّليل على حرمة هذه الدِّماء، بل وعلى عظم وخطورة هذا الأمر خاصَّة إذا علم المسلم أنَّ أوَّل ما يقضى بين النَّاس يوم القيامة في الدِّماء، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ»(12).

وليبقَ المسلم في فسحة من دينه ولا يهلك نفسه بالتَّعرُّض إلى دمٍ حرام؛ لقوله عليه السلام: «لاَ يَزَالُ العَبْدُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ  دَمًا حَرَامًا»(13).

وفي رواية: «إِذَا أَصَابَ دَمًا حَرَامًا بَلَّحَ» أي: هلك.

وبناءً على ما سبق من الآيات الكريمة والأحاديث الصَّحيحة(14) عدَّ العلماء قتل النَّفس عمدًا بغير حقٍّ من أكبر الكبائر، بل جعل بعضهم القتل أعظم ذنبٍ وأكبر جرم بعد الشِّرك بالله.

هذا فيما يتعلَّق بقتل الأَنْفُسِ المعصومة من المسلمين.

وأمَّا الأنفس المعصومة غير المسلمة كالمعاهدين وأهل الذِّمَّة والمستأمنين ونساء الكفَّار وصبيانهم ورهبانهم وشيوخهم غير المحاربين منهم، فَقَتْلُهَا حرامٌ أيضًا.

فأمَّا تحريم قتل المعاهدين والمستأمنين دلَّ عليه حديث النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا»(15)، وقوله ﷺ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا فِي غَيْرِ كُنْهِهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ»(16).

والمعاهد هو من أدخله وليُّ الأمر المسلم بعقدِ أمانٍ وعهدٍ؛ فإنَّه معصوم النَّفس والمال لا يجوز التَّعرُّض له، ومن قتله فقد عرَّض نفسه لهذا الوعيد الشَّديد الَّذي أخبر به الصَّادق المصدوق ﷺ.

ومعلوم أنَّ أهل الإسلام ذمَّتهم واحدة؛ لقوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ»(17)، ولما أجارت أمُّ هانئ رضي الله عنها رجلاً من المشركين عام الفتح وأراد عليٌّ رضي الله عنه قتلَه، ذهبت إلى النَّبيِّ ﷺ فأخبرته، فقال ﷺ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ»(18).

وأمَّا نساء الكفَّار وأطفالهم وكبار السِّنِّ منهم غير المحاربين، فقد ورد النَّهي عن ذلك في سنَّة النَّبيِّ المصطفى ﷺ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله عن قتل النِّساء والصِّبيان»(19).

وعن بريدة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اغْزُوا وَلاَ تغلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تَمْثُلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا»(20)، ومن حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند أحمد: «وَلاَ تَقْتُلُوا الوِلْدَانَ وَلاَ أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ»، وفي رواية: «وَلاَ تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً وَلاَ عَسِيفًا»(21)، والعَسِيفُ هو العامل أو الأجير، وأصحاب الصَّوامع هم الرُّهبان.

فهذه أحاديث صريحة في النَّهي عن قتل كلِّ هؤلاء عمدًا حتَّى حال الحرب.

وبعد كلِّ هذا وغيره كثير، فالواجب نحو النُّفوس المعصومة الوقوف عند حدود الشَّرع المطهَّر وعدم تجاوز أحكامه، والبعد عن تحكيم الأهواء، فالأمر أمرُ الله تعالى والخلقُ خلقُه والحكمُ حكمه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون[المائدة:50].

والله أعلم، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه أجمعين.



(1) رواه البخاري (1741) ومسلم (1679).

(2) رواه مسلم (2564).

(3) رواه البخاري (391).

(4) رواه البخاري (121)، ومسلم (65).

(5) رواه البخاري (48)، ومسلم (64).

(6) رواه التِّرمذي (1395)، والنَّسائي (3987).

(7) رواه البخاري (7152).

(8) رواه البخاري (6862).

(9) رواه البخاري (6484) ومسلم (1676).

(10) «نظم الدرر» (2 /299).

(11) رواه النسائي (3999)، وصححه الألباني.

(12) متفق عليه.

(13) رواه البخاري (6862)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(14) وقد جمع الحافظ عبد الغني المقدسي جملةً طيِّبةً منها في كتابه: «تحريم القتل وتعظيمه»، وقد طُبع بتحقيق الأخ عمَّار تمالت، وفَّقه الله.

(15) رواه البخاري (2760).

(16) صحيح: رواه أبو داود (2760) والنسائي (4747).

(17) صحيح: رواه أبو داود (2751).

(18) متفق عليه.

(19) متفق عليه.

(20) رواه مسلم (1131).

(21) رواه أحمد (17647) وابن ماجه (2842).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 11»